Saturday, July 21, 2012

اللعب مع الكبار» فى البيت الأبيض!



«اللعب مع الكبار» فى البيت الأبيض!


21 يوليو 2012
كتب : حنان البدرى



عجيب حقا موقف هؤلاء الذين استقبلوا وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون خلال زيارتها لمصر بالهجوم الحاد وضربها بالطماطم فهذه السيدة جاءت لتتأكد وتنفذ سياسات تصب أولا وأخيرا فى مصلحة بلادها وكان الأجدر بهم تماما كما بهؤلاء الذين استقبلوها بترحاب مبالغ فيه ونظرات التابع المبهور أن يستذكروا مصالح المحروسة بالورقة والقلم كما يفعل العم سام.
لعلهم يقتنصون فى هذا الوقت الفارق تاريخيا بسبب ثورة يناير حقا من فم الأسد.
لقد أتت كلينتون بنقاط محددة وستعود مرة أخرى للتأكد من تحققها لو لزم الأمر وقبل الخوض فى تلك النقاط بالتفصيل أود الإشارة إلى حقيقتين الأولى هى أن الولايات المتحدة تريد حقا الاستقرار لمصر فى الوقت الراهن، وبأى ثمن فالتعامل وبالتالى توجيه مصر المستقرة أهون عليهم وأسهل من التعامل مع مصر التى تغلى بالفوضى، الحقيقة الأخرى هى أن واشنطن على جميع المستويات الرسمية وغير الرسمية لاتزال فى حالة استيعاب لثورة يناير، فما حدث - وإن كانوا يتوقعونه فاجأهم بعنصر واحد أربك حساباتهم - ولايزال - وهى أن الثورة لم يكن لها رأس أى زعامة محددة، لذا حتى وهم يقرأون تقارير أخيرة تتحدث عن ثورة أخرى دموية قادمة إن لم تتحقق أهداف يناير 1102 يسارعون بعمل ما يلزم لاستطلاع هوية الزعامات المحتملة ويحاولون استقطاب والجلوس ومد الصلات مع الشخصيات والتجمعات المحتملة أيضا.
طريقة الورقة والقلم والتدقيق والمراجعة الأمريكية هذه تندرج أيضا على الكيفية التى تتعامل بها الولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين فحسبما فهمت من البعض فى واشنطن فإن علينا توقع شهر عسل طويلا بينهما سيحسم طوله تعاون الإخوان أو ممثليهم فى سدة الحكم فى مصر، وحيث وجدت واشنطن فيهم فرصة ذهبية لضرب مائة عصفور بحجر مصريا وإقليميا وعربيا وإسلاميا.
لقد اختارت واشنطن كعادتها اللعب مع الكبار فتعاملت مع المؤسسة العسكرية ومع الإخوان، رغم شكوكها الحالية فى مدة تمكن الأخيرين من الشارع المصرى، إلا أن نقاط التوافق مع الإخوان - وأيضا حسبما وصلنى بعد زيارة كلينتون - كانت عريضة فالإخوان بوجه العموم والذين توافقوا معهم حول الآتى:
- إن أمن الخليج ولاسيما بالسعودية خط أحمر وعليهم احترامه بمعنى أن حدوث أو تشجيع أى ثورات فى هذه المناطق غير مسموح به فالمنطقة ونفطها أهم مصلحة لأمريكا وأولوية حتى على إسرائيل أن يستمر الالتزام باتفاقية السلام مع إسرائيل وملحقاتها.
- أن يستمر التزام مصر بالسوق الحرة وسياستها وهذا مفهوم لأن الإخوان بطبعهم يتبنون ويدعمون هذا التوجه فعقدة إسرائيل والغرب عموما من مصر فى أعقاب نكسة 76 أن مصر الدولة عندما انهزمت عسكريا لم تنهر وبقيت صلدة نتيجة وجود القطاع العام الذى أمن للشعب اكتفاءه، لذا نجد أن واشنطن ومازالت منذ كامب ديفيد حريصة على تكريس سياسات السوق الحرة فى مفاصل مصر بما فى ذلك الخصخصة واستمرار اعتماد القاهرة على القروض الخارجية مهما كانت صغيرة لضمان أى التحكم فى مقدرات مصر.
- أن تستمر الولايات المتحدة فى الحصول على الامتيازات التى كان مبارك يوفرها لهم وبسخاء ومجانا فى أغلب الأوقات من أولوية المرور العسكرى والمدنى بقناة السويس واستخدام المجال الجوى.
- أن يستمر الإخوان فى دعمهم للجهود الأمريكية لمساندة ما يصفونه بـالدمقرطة كواجهة لامعة لمآربهم ومصلحتهم إقليميا فى سوريا وتونس وحتى ليبيا التى أبقى إخوانها على قوتهم - السلاح بيدهم - حتى مع خسارتهم للانتخابات، باختصار سأنقل لكم تعبيرا قاله لى أحد الأمريكيين وهو يصف حجر الإخوان الذهبى الذى سيصيبون به مائة عصفور حين قال: «سيكون مريحا جدا لنا أن تكون مصر وتونس وليبيا وغزة وسوريا حتى الأردن تتلقى الأوامر من شخص واحد ألا وهو المرشد».
هذا التوجه الأمريكى بدأ يؤتى ثماره سريعا وبشكل واضح سواء فى غزة وحيث بدأت حماس وبتأثير غير خافٍ للإخوان وأيضا لقطر، ومنذ أشهر وتحديدا منذ نزوح خالد مشعل من دمشق وزيارة وداع هنية لطهران لتبدو أقرب إلى التحرك فى سياق يقوده الإخوان.
وفى سوريا بدأت عملية إعادة تنظيم إخوان سوريا لأنفسهم استعدادا لمرحلة ما بعد الأسد.
هذا التناغم مابين طموح الإخوان ومصالح واشنطن لم يرق للبعض فى واشنطن، حيث تكتل اليمين المسيحى الصهيونى وتيار المحافظين الجدد خلف منظمات اللوبى الإسرائيلى ضد التحالف الجديد بين إدارة أوباما وإخوان مصر، تارة باستخدام ورقة الأقليات والمرأة والأقباط وتارة بـاستدعاء مواقف سابقة للإخوان مناهضة لأمريكا ولإسرائيل، منطق هؤلاء أن إخوان مصر على المدى البعيد يمثلون خطرا على إسرائيل وأنه من الأفضل لأمريكا وإسرائيل معا أن يقود مصر والمنطقة تيار دينى نموذجه الوهابية السعودية أى تيار ليس له طموح سياسى توسعى حتى لو كان اقتصاديا يؤمن بالسوق الحرة كالإخوان، لكنه أصولى لأقصى مدى فى خلافه مع إيران الشيعية، وهنا مربط الفرس الذى حاول المؤيدون لإدارة أوباما استخدامه لتحييد التيار المتشدد ضد الميل الأمريكى الحالى للإخوان، وذلك على أساس أن الإخوان ودورهم فى سوريا سيقود إلى تغيير نظام حليف لإيران ومن ثم سيجد حزب الله اللبنانى نفسه بعد انهيار نظام الأسد وحيدا على الساحة ومن ثم يمكن بسهولة حصاره والتخلص منه وبعده سيكون آمنا لإسرائيل توجيه الضربة المحتملة لبرنامج إيران النووى.
على أية حال فإنه وبدون حسم مصرى يتأتى بالورقة والقلم لمصالح المحروسة أولا فلن نستطيع لا الآن ولا مستقبلا تحقيق مصيرنا، وبالتالى فمصر أصبحت فى مفترق طريقين لا ثالث لهما، إما تحديد مصيرها بنفسها وبناء على مصالحها أولا، وإما الاستسلام وانتظار ما يخطه العم سام لنا وهو ما سيتضح تماما خلال الستة أشهر المقبلة.