Sunday, November 14, 2010

متي نتعلم الوقاحة؟

الراى > متي نتعلم الوقاحة؟

كتب حنان البدرى

العدد 1644 - الأحد الموافق - 14 نوفمبر 2010

تجتاح المرء مشاعر مختلطة ومتضاربة في كل مرة يزور فيها بنيامين نتانياهو أو أحد المسئولين الأمريكيين واشنطن، وهي مشاعر تتراوح ما بين الأعجاب والغضب، فالعرض شيق وأداء ممثليه في غاية البراعة، والنتائج باهرة لدرجة البكاء.

وقد رأينا هذه المرة كيف قابل نائب الرئيس الديمقراطي بايدن نتانياهو باحتفاء وكلمات حماسية دافئة حول عمق العلاقات حرص أن يؤكد فيها علي ثوابت أمريكا نحو الحليف المفضل إسرائيل اليهودية.

ورأينا كيف صنعته إسرائيل مجددا وبعدها بساعات بإعلانها بناء المزيد من المساكن الاستيطانية في القدس الشرقية، نتانياهو الذي فوجئ في القاعة التي يلقي فيها كلمته أمام كبار الزعامات اليهودية الأمريكية في زيارته التي جاءت بعد فوز ساحق للجمهوريين وجاء هو ليهنئهم ويحتفي معهم بالنصر.

فوجئ بمقاطعات من يهود أمريكية يرفضون التعنت والاحتلال، لم يتوان عن الذهاب في زيارة ولقاءات مقررة سلفا إلي الأمم المتحدة ليلتقي المسئول الأممي الأول بان كي مون فيما كانت مندوبته لدي المنظمة الدولية تصدر تصريحات مهنية للأمم المتحدة قائلة بإن الحياة أفضل دون هذه المنظمة، وابتلع كي مون الاهانة.

أحداث زيارة نتانياهو الشيقة لم تنته عند هذا الحد، فخلالها أيضا كانت وصلات التصريحات المتبادلة بينه وبين أوباما الذي كان في زيارة لأقصي الأرض ليطلب ود المسلمين دون أن تكون لها وقع إعلانه في القاهرة، وهي وصلة دخلت فيها هيلاري كيلنتون علي الخط ليؤكدا قلقهما من إعلانات الاستيطان الاضافية وبأنها عامل غير مساعد لإعادة المفاوضات إلي مسارها. وهي نفسها وزيرة الخارجية التي حرصت علي إعلان فكه مساعدات إضافية بـ 125 مليون دولار للفلسطينيين قبيل ساعتين من اجتماعاتها الموسعة مع الوزير أبوالغيط والوزير عمر سليمان، وذلك قبل أن تتوجه بنفسها لمقابلة نتانياهو في نيويورك بالتوازي مع تسريب خبر ارسال شحنات اسلحة فتاكة للتخزين في إسرائيل للاستخدامات الأمريكية إذا دعت الحاجة، ليزيد بذلك حجم المخزون التسليحي الأمريكي لدي إسرائيل إلي 1.2 مليار دولار.

وهي نفس الأسلحة التي استخدمت إسرائيل جانباً منها لشن حربها علي لبنان في صيف 2006، وهي الحرب التي عبر الرئيس السابق بوش عن امتعاضه لأن إسرائيل لم تستمر وتمدها لتشمل سوريا في مذكراته المثيرة للجدل والمنشورة الأسبوع الماضي.

وإذا نظرنا لتركيز نتنياهو في زيارته هذه علي مناقشة التعامل مع الملف الإيراني ضاغطا نحو مواجهة معها وهو الأمر الذي لم يتم التركيز عليه إعلاميا وتم بشكل متعمد تكريس التغطية علي موضوع ثانوي بالنسبة له وهو عملية السلام، وبإضافة حصول إسرائيل علي هذا المخزون التسليحي الجديد الذي يشمل قنابل فتاكة قادرة علي اختراق طبقات تحت الأرض نستطيع أن نستشعر تلك الأجواء التي سادت فيما قبل مدريد وفيما قبل الحرب علي العراق.. وبالنظر إلي هروع نتانياهو للاجتماع مع كاهن السياسة هنري كيسنجر أحد أفضل من يفهم النفسية العربية كما يقال هنا، وخروجه من اللقاء ليطالب بتوسيع عملية السلام لتشمل دول عربية أخري لم يسمها، نستطيع فهم ملامح التوجه الجديد الذي سيحط علي منطقتنا، وهنا ندخل إلي النطاق الدرامي لواقعنا العربي ولممارستنا التفاوضية، فالمسألة الأهم في هذا العرض المسرحي المعاد والواضحة وضوح الشمس والتي يراها الجميع دون العرب سواء برغبة منهم أو بحسن نوايا دائم وتمسك غير مبرر بدبلوماسية مهذبة وأدب جم وكرم حاتمي يؤخذ علينا وبات غير مطلوب علي المسرح السياسي العالمي، مقابل وقاحة وإبداع إسرائيل مسنود غربيا.

والحصيلة هي خسارة معتادة، فالجانب الإسرائيلي الذي فهم العرب جيدًا يعرف جيدًا كيف يدير اللعبة، فقد فتأت إسرائيل مع إطلاق التصريحات غير المقبولة لجس نبض العرب مدركة أن الرد هو سيل من تصريحات الشجب والغضب الذي سرعان ما يذوب تمامًا كما حدث مع مهلة العرب لواشنطون لمدة شهر، والتي انتهت وابتلعت وكمثال صغير سنجد مطالبة إسرائيل باعتراف العرب بيهودية دولتها كخطوة أولي لتكريس واقع علي الأرض ولكسب المزيد من الوقت.

وقد نجحت في انتزاع اعتراف أمريكي رسمي بذلك، ولم نجد طرفاً عربياً واحداً يخرج عن النطاق التقليدي لقناعات أخلاق الفرسان ليقول «حسنا سنعترف بدولة إسرائيلية دينها الرسمي اليهودية» كحل يضع إسرائيل في مأزق وينقل الكرة لملعبها، لم يحدث ذلك وبدلاً منه احتفظنا بالكرة، وأعلنا انسحابا من اللعبة وخسرنا مقدما المباراة.

ومثال آخر لهزيمة النفس وهو الوضع في السودان فرؤية مسئول أممي كبير يخرج علينا قبل يومين ليصرح بأن الأمم المتحدة قلقة للغاية من الوضع الإنساني في دارفور وجنوب السودان وأبيي، أي تحت إضافة أبيي الغنية بالنفط لتحقق واقع وتمهيد انفصالي، ولم نجد أحداً يعترض علي المحاولات الجديدة لتقطيع ذلك البلد العربي الذي لن يكون الأول والمقطع أصلاً أن مفردات الواقع العربي الحالية واستمرار تمسك العرب بتقديم حسن النوايا وأخلاقيات الفرسان بات غير مطلوب.

فنفس الأمم المتحدة ونفس هذا الغرب لم نجده يتحدث مثلا عن القلق تجاه الحالة الإنسانية في الصومال وأماكن أخري في أفريقيا الأوضاع الإنسانية فيها أكثر سوءا.. فمتي نغير أساليبنا ومتي نتعلم الوقاحة!

No comments: