Sunday, November 21, 2010

عدت يا عيد

الراى > عدت يا عيد

كتب حنان البدرى

العدد 1650 - الأحد الموافق - 21 نوفمبر 2010

أمضيت عيد الأضحي المبارك في مدينة هيوستن وسط أصداء من القلق تخيم علي الجميع بسبب ما يتعرض له المسلمون في أمريكا مؤخراً من حملات منظمة استهدفت الجميع طلابا في المدارس والجامعات وموظفين في الحكومة والشركات الخاصة ووصلت إلي تجمعاتهم ومساجدهم لدرجة لم تعرفها أمريكا التي كانت إلي وقت قريب تفخر بتعددية سكانها الثقافية والدينية آخر هذه الحملات المكثفة.

وبعد أن هدأت نسبياً الهجمات علي مسجد نيويورك وقضية حرق المصحف الشريف رغم استمرار رئيس الكنيسة المشبوه في حملات لجمع الأموال لمحاربة الإسلام ظهرت قضية أخري عندما توجهه أشخاص مدعومون من جهات وأشخاص معروفين بحملاتهم المنظمة ضد الإسلام وعلي رأسهم فرانك جافني المسئول بمركز سياسات الأمن في واشنطن الذي ذهب بنفسه إلي ناشفيل ليشهد أن المسجد يمثل تهديداً لأمريكا لا أحد يعرف من سدد مصاريف سفر هذا الرجل المعروف بصلاته الوطيدة باللوبي الإسرائيلي واليمين الأمريكي والذي يتلقي مركزه مساعدات مالية من شركة بوينج العالمية والتي تعد الدول العربية من أكبر زبائنها.

وهو نفسه كان يشغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي والقصة بدأت بقضية رفعها بضعة أشخاص بمدينة ميرفريس بورو بتنيسي يعترضون علي بناء مسجد للمسلمين بها وبدأت عملية محاكمة للإسلام والمسلمين حيث وجه هؤلاء اتهامات للإسلام والمسلمين بالإرهاب ومحاولة الاستيلاء علي أمريكا.

ورددوا الأكاذيب حول الإسلام علي ألسنة أشخاص جاءوا بدوافع سياسية وأجندة يمينية تنكر أن الإسلام ثاني أكبر أديان العالم دينا سماوياً وأن الشريعة هي قانون هذا الدين الغريب الذي لا يعرف سوي الإرهاب وكالوا للإسلام اتهامات أبسطها أنه وبموجب الشريعة فإن المسلمين يعلقون كرابيج في منازلهم لاستخدامها في ضرب الزوجات كجزء من الديانة! وسمح لأشخاص دون خبرة بالادلاء بشهادتهم في المحكمة

. في نفس الوقت كان مسلمو هيوستن يحتفون بعيدهم في أكثر من مسجد بني بالجهود الذاتية وأحد المساجد مازال البيت المقابل له رافضا لوجود دار عبادة إسلامي بالجوار ولا يكل من إعلان معارضته سواء برفع علم إسرائيل أو وللمفارقة باحضار خنازير إلي المكان.. هذا يحدث بينما لم تهدأ بعد واقعة اكتشاف قيام شركة «Ups» للبريد بدلاً من تسليم جوازات السفر المرسلة عبر إحدي شركات السياحة وبها تأشيرات الحج إلي عدد كبير من المسلمين الأمريكيين إلي السلطات الأمنية الأمريكية وماطلت في الرد علي أصحاب الجوازات الذين فاتتهم طائراتهم ولولا الكشف عن هذه الفضيحة واضطرار الجهات الأمنية لشراء تذاكر طيران أخري للحجاج وتسامح شركة الطيران السعودية بعدم إلغاء رحلة العودة لما تمكن هؤلاء من السفر واللحاق بالحج.

ضحايا هذه الفعلة المشينة في أمريكا اعتبروا هذا التصرف بمثابة اعتراف رسمي وغير معلن بأن المسلمين إرهابيون وعبر البعض الآخر عن غضبه من شركة البريد «UPS» التي خانت الأمانة وادعت ضياع الطرود البريدية كذبا قبل أن تضطر للاعتراف بالواقعة بزعم التعاون الأمني مع السلطات المعنية.

من الواضح أن الحملات ضد الإسلام والمسلمين في تصاعد من غير المحتمل أن تهدأ في القريب العاجل بل إن الأمور تفاقمت إثر هذه الحملات التي بدت أكثر تأثيرا علي الرأي العام الأمريكي باستخدام وسائل إعلام بعينها اعتمادا علي أن الأمريكي يستمد معظم ثقافته من التليفزيون لذا وتكملة لمقالنا الأسبوع الماضي حول ضروريات يفرضها علينا الواقع الحالي بأن نتعلم الوقاحة وأفضل الدروس هذه المرة لن تكون مظاهرات ومقاطعات بل يجب أن يكون عبر تصميم العرب والمسلمين علي ضرورة القيام بحملات توعية واسعة النطاق لا تكون علي حساب المسلمين هذه المرة بل يتم تمويلها بتخصيص دولار إضافة علي الأقل - علي كل برميل غاز أو متر غاز هذه هي اللغة الوحيدة التي سيفهمها هؤلاء ولا غيرها.

وللعلم فإن الحصيلة الأكبر من أرباح الشركات الغربية والأمريكية العاملة في مجال النفط تأتي من تجارة هذه الشركات في البترول العربي لذا فالعارفون بهذه الحقيقة يتعجبون حين يسمعون صراخ اليمين المتطرف مطالبين بتخلص أمريكا من إدمان النفط العربي والإرهاب الإسلامي.

إن فرض رسوم بسيطة كهذه علي أي سلعة أو تجارة مع دول بعينها تخصص للتوعية السليمة عن الإسلام يمكن أن يكون ناجحاً في معالجة هذه الحروب الشرسة والمنظمة علي المسلمين بدرجة غير مسبوقة رغم محاولات رموز مثقفة واعية الرد بوعي مناسب لقد بكت إحدي السيدات أمامي وهي تدعو علي أسامة بن لادن والظواهري اللذين كانا بمثابة السكينة التي ذبح بها أعداء الإسلام المسلمين وأبلغتني أنها شاهدت قيام الظواهري في أوائل التسعينيات في زيارة لهيوستن وكانت تصحبه مندوبة أو مندوب من الخارجية الأمريكية وقالت إنها رفضت أن تتبرع وقالت للشخص الباكستاني الذي كان يحثها علي التبرع للمجاهدين في أفغانستان أنا لست أغني من الخارجية الأمريكية التي دعته إلي هذه الزيارة فليتبرعوا هم، هذه السيدة المصرية عبرت بدقة عن الشرخ الحادث والمخاوف التي باتت تطبق علي مسلمي أمريكا ولهذا الموضوع قصة أخري.. كل عام والجميع بخير وعيد سعيد.

Sunday, November 14, 2010

متي نتعلم الوقاحة؟

الراى > متي نتعلم الوقاحة؟

كتب حنان البدرى

العدد 1644 - الأحد الموافق - 14 نوفمبر 2010

تجتاح المرء مشاعر مختلطة ومتضاربة في كل مرة يزور فيها بنيامين نتانياهو أو أحد المسئولين الأمريكيين واشنطن، وهي مشاعر تتراوح ما بين الأعجاب والغضب، فالعرض شيق وأداء ممثليه في غاية البراعة، والنتائج باهرة لدرجة البكاء.

وقد رأينا هذه المرة كيف قابل نائب الرئيس الديمقراطي بايدن نتانياهو باحتفاء وكلمات حماسية دافئة حول عمق العلاقات حرص أن يؤكد فيها علي ثوابت أمريكا نحو الحليف المفضل إسرائيل اليهودية.

ورأينا كيف صنعته إسرائيل مجددا وبعدها بساعات بإعلانها بناء المزيد من المساكن الاستيطانية في القدس الشرقية، نتانياهو الذي فوجئ في القاعة التي يلقي فيها كلمته أمام كبار الزعامات اليهودية الأمريكية في زيارته التي جاءت بعد فوز ساحق للجمهوريين وجاء هو ليهنئهم ويحتفي معهم بالنصر.

فوجئ بمقاطعات من يهود أمريكية يرفضون التعنت والاحتلال، لم يتوان عن الذهاب في زيارة ولقاءات مقررة سلفا إلي الأمم المتحدة ليلتقي المسئول الأممي الأول بان كي مون فيما كانت مندوبته لدي المنظمة الدولية تصدر تصريحات مهنية للأمم المتحدة قائلة بإن الحياة أفضل دون هذه المنظمة، وابتلع كي مون الاهانة.

أحداث زيارة نتانياهو الشيقة لم تنته عند هذا الحد، فخلالها أيضا كانت وصلات التصريحات المتبادلة بينه وبين أوباما الذي كان في زيارة لأقصي الأرض ليطلب ود المسلمين دون أن تكون لها وقع إعلانه في القاهرة، وهي وصلة دخلت فيها هيلاري كيلنتون علي الخط ليؤكدا قلقهما من إعلانات الاستيطان الاضافية وبأنها عامل غير مساعد لإعادة المفاوضات إلي مسارها. وهي نفسها وزيرة الخارجية التي حرصت علي إعلان فكه مساعدات إضافية بـ 125 مليون دولار للفلسطينيين قبيل ساعتين من اجتماعاتها الموسعة مع الوزير أبوالغيط والوزير عمر سليمان، وذلك قبل أن تتوجه بنفسها لمقابلة نتانياهو في نيويورك بالتوازي مع تسريب خبر ارسال شحنات اسلحة فتاكة للتخزين في إسرائيل للاستخدامات الأمريكية إذا دعت الحاجة، ليزيد بذلك حجم المخزون التسليحي الأمريكي لدي إسرائيل إلي 1.2 مليار دولار.

وهي نفس الأسلحة التي استخدمت إسرائيل جانباً منها لشن حربها علي لبنان في صيف 2006، وهي الحرب التي عبر الرئيس السابق بوش عن امتعاضه لأن إسرائيل لم تستمر وتمدها لتشمل سوريا في مذكراته المثيرة للجدل والمنشورة الأسبوع الماضي.

وإذا نظرنا لتركيز نتنياهو في زيارته هذه علي مناقشة التعامل مع الملف الإيراني ضاغطا نحو مواجهة معها وهو الأمر الذي لم يتم التركيز عليه إعلاميا وتم بشكل متعمد تكريس التغطية علي موضوع ثانوي بالنسبة له وهو عملية السلام، وبإضافة حصول إسرائيل علي هذا المخزون التسليحي الجديد الذي يشمل قنابل فتاكة قادرة علي اختراق طبقات تحت الأرض نستطيع أن نستشعر تلك الأجواء التي سادت فيما قبل مدريد وفيما قبل الحرب علي العراق.. وبالنظر إلي هروع نتانياهو للاجتماع مع كاهن السياسة هنري كيسنجر أحد أفضل من يفهم النفسية العربية كما يقال هنا، وخروجه من اللقاء ليطالب بتوسيع عملية السلام لتشمل دول عربية أخري لم يسمها، نستطيع فهم ملامح التوجه الجديد الذي سيحط علي منطقتنا، وهنا ندخل إلي النطاق الدرامي لواقعنا العربي ولممارستنا التفاوضية، فالمسألة الأهم في هذا العرض المسرحي المعاد والواضحة وضوح الشمس والتي يراها الجميع دون العرب سواء برغبة منهم أو بحسن نوايا دائم وتمسك غير مبرر بدبلوماسية مهذبة وأدب جم وكرم حاتمي يؤخذ علينا وبات غير مطلوب علي المسرح السياسي العالمي، مقابل وقاحة وإبداع إسرائيل مسنود غربيا.

والحصيلة هي خسارة معتادة، فالجانب الإسرائيلي الذي فهم العرب جيدًا يعرف جيدًا كيف يدير اللعبة، فقد فتأت إسرائيل مع إطلاق التصريحات غير المقبولة لجس نبض العرب مدركة أن الرد هو سيل من تصريحات الشجب والغضب الذي سرعان ما يذوب تمامًا كما حدث مع مهلة العرب لواشنطون لمدة شهر، والتي انتهت وابتلعت وكمثال صغير سنجد مطالبة إسرائيل باعتراف العرب بيهودية دولتها كخطوة أولي لتكريس واقع علي الأرض ولكسب المزيد من الوقت.

وقد نجحت في انتزاع اعتراف أمريكي رسمي بذلك، ولم نجد طرفاً عربياً واحداً يخرج عن النطاق التقليدي لقناعات أخلاق الفرسان ليقول «حسنا سنعترف بدولة إسرائيلية دينها الرسمي اليهودية» كحل يضع إسرائيل في مأزق وينقل الكرة لملعبها، لم يحدث ذلك وبدلاً منه احتفظنا بالكرة، وأعلنا انسحابا من اللعبة وخسرنا مقدما المباراة.

ومثال آخر لهزيمة النفس وهو الوضع في السودان فرؤية مسئول أممي كبير يخرج علينا قبل يومين ليصرح بأن الأمم المتحدة قلقة للغاية من الوضع الإنساني في دارفور وجنوب السودان وأبيي، أي تحت إضافة أبيي الغنية بالنفط لتحقق واقع وتمهيد انفصالي، ولم نجد أحداً يعترض علي المحاولات الجديدة لتقطيع ذلك البلد العربي الذي لن يكون الأول والمقطع أصلاً أن مفردات الواقع العربي الحالية واستمرار تمسك العرب بتقديم حسن النوايا وأخلاقيات الفرسان بات غير مطلوب.

فنفس الأمم المتحدة ونفس هذا الغرب لم نجده يتحدث مثلا عن القلق تجاه الحالة الإنسانية في الصومال وأماكن أخري في أفريقيا الأوضاع الإنسانية فيها أكثر سوءا.. فمتي نغير أساليبنا ومتي نتعلم الوقاحة!

Sunday, November 7, 2010

الجمهوريون قادمون.. إلي أين أمريكا ذاهبة؟

الراى > الجمهوريون قادمون.. إلي أين أمريكا ذاهبة؟

كتب حنان البدرى

العدد 1638 - الأحد الموافق - 7 نوفمبر 2010

تستحق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي وحكام الولايات المتحدة عن جدارة لأن تتحول إلي مادة ثرية لطلاب العلوم السياسية حول العالم، ذلك لتفردها من حيث إدارة الحملة الانتخابية ووصولاً إلي فوز غير مسبوق للحزب الجمهوري وهزيمة نكراء للحزب الديمقراطي. صحيح أنها ليست المرة الأولي التي ينتزع فيها أحد الحزبين المهيمنين علي الساحة السياسية الأمريكية منذ نشأة الدولة، الأغلبية ومن ثم الزعامة في ظل وجود رئيس ينتمي للحزب المهزوم بالبيت الأبيض، ولكن اعتماد الساسة الجمهوريين علي عوامل خلقوها، وعوامل أخري فرضتها ظروف علي الأرض إضافة للاستخدام الماكر لنقاط ضعف الخصم كان هو سبيلهم إلي تحقيق هدف الفوز.

لقد اعتمد الجمهوريون الذين تهيمن علي حزبهم منذ ما يزيد علي العقد أيديولوجيات يمينية يغلب عليها التطرف علي أربعة عوامل أساسية، أولها كان الوصول للناخب العادي عبر أولوياته ألا وهي الحالة الاقتصادية.

فالناخب الأمريكي لا يهمه سوي حافظة نقوده وهو سريع النسيان وثقافته يكتسب معظمها من التلفاز، ولذا كان من السهل التأثير عليه بهذا العامل وبتكرار لا يتوقف لسيل انتقادات للإدارة الحالية بسبب تردي الوضع الاقتصادي وأرقام تتحدث عن نسبة غير مسبوقة من البطالة وفقدان الوظائف وصلت إلي 9.5%، وعبثا حاول أوباما الذي يؤخذ عليه التحرك متأخرًا لإفهام هذا الناخب بأن التدهور الاقتصادي سببه إدارة جمهورية سابقة، أو أن يشرح نجاح إدارته في وقف عجلة تدهور الاقتصاد كإنجاز وأن النمو قادم وفي الطريق.

ولم يساعده حزبه الذي اعتمد علي وجوه قديمة ملها الناخب وبعضها مازال يحتل مقعده في الكونجرس منذ 24 عامًا، لقد كان الناخب الأمريكي غاضبًا لدرجة أراد من خلال تصويته للجمهوريين أن يعاقب الإدارة الحاكمة وكذلك الحزب الديمقراطي، ولم يأت تصويته لصالح الجمهوريين بسبب ولهه المفاجئ بهم، أيضًا لعب الحزب الجمهوري علي عامل الإعلام المضاد، ولم يكن مستغربًا أن تخرج عناوين الواشنطن بوست لكي تؤكد أن الذي يستحق أن يحتفي به بسبب هذا الفوز هو ميردوخ امبراطور الصحافة وقناته الإخبارية فوكس التي لولاها ما كان يسمح لما يعرف بحزب حفلات الشاي صوتا.

وهذا صحيح فقد جندت فوكس كل قواها للدعاية لهذا التيار المتطرف علي كل الأصعدةش، وهو تيار تلقي دعمًا ماليًا غير مسبوق من قبل الكبار الذين أزعجهم أن يتحدي رئيس أمريكي أصحاب المال ويطالب بزيادة الضرائب علي كبار الأغنياء وتقليلها عن كاهل الأسرة المتوسطة أو أن يطالب بنظام رعاية صحية حكومية يقدم للمواطن وهو ما أزعج شركات التأمين الصحي متضخمة الثراء وأصحاب الصناعات الصغيرة.

وانضم إلي هؤلاء لدعم التيار اليميني أصحاب المصالح بدءا من أسواق المال بـ«وول ستريت» ومرورا بالشركات الكبري سواء للنفط أو ما يعرف بلوبي صناعة الحرب أو الصناعات التسليحية وصناعات الأمن وهؤلاء جنوا في عهد بوش - تشيني أرباحًا طائلة وعقودا بالمليارات تسدد من جيب دافع الضرائب الأمريكي ويهمهم أن تستمر الحاجة إليهم ولو عبر حروب تقوم بها أمريكا أو غيرها من الدول.

كان هذا هو العامل الثالث الذي اعتمد عليه الجمهوريون بعد عوامل استخدام تدهور الاقتصاد والإعلام وتيار يميني جديد صوته عال بواسطة إعلام موجه رغم قلة عدده علي المستوي الأمريكي.. أما العامل الرابع فهو استغلال ثقة الخصم أي الديمقراطية الزائدة في أنفسهم بعد نصر كاسح في الانتخابات الماضية وهي الثقة التي أوكلتهم إلي التراخي ومحاولة امساك العصا من المنتصف في العديد من القضايا التي تهم الشارع الأمريكي، وتغاضيهم غير المبرر عن رسالة مهمة كان نفس الشارع قد أرسلها قبل أشهر بوضوح ذلك عندما عاقب ناخب معروف أنه مثقف بولاية ماساشوسيتس الديمقراطية وصوت لصالح شاب جمهوري لا يتمتع بأي تاريخ سياسي يذكر لكي يعتلي مقعد السيناتور الديمقراطي الراحل تيد كيندي أحد أعمدة الحزب الديمقراطي في عقر داره.

لم يفهم الديمقراطيون الرسالة أو فهموها وتغاضوا عن معالجة الأمر فجاءت هزيمتهم النكراء في مجلس النواب ونجحوا في الاحتفاظ بأغلبية عادية وليست مطلقة في مجلس الشيوخ ستزيد من معاناة أوباما علي مدي العامين المقبلين لتمرير أية إصلاحات قام بها أو يعتزم المضي فيها.

الثمن باهظ والمعركة التي ستشهدها الساحة السياسية الأمريكية علي مدي الأشهر المقبلة ستكون محتدمة بامتياز، فالجمهوريون لم يتوقفوا كثيرا هذه المرة عن الفوز بل بادروا بهجوم مضاد آخر أعلنوا فيه هدفهم الرئيسي وهو ضمان عدم فوز أوباما بفترة رئاسة مقبلة، بل سارعوا بالعمل لإعادة النظر في جميع الإصلاحات والتغييرات التي أحدثها خلال العامين الماضيين وعلي رأسها قانون الإصلاح الضريبي والرعاية الصحية ذلك علي المستوي المحلي.

أما علي المستوي السياسة الخارجية فحدث بلا حرج حيث أعلنوا أنهم بصدد إعادة أمريكا القوية وسياسات هي توأم لسياسات بوش - تشيني بداية من عملية السلام ومرورا بمواجهة إيران ووصولاً إلي استخدم كارت الدمقرطة والمساندات الخارجية، وأدرجوا مصر بالفعل علي رأس الدول التي ينبغي النظر في حالتها في هذا الشأن.

أيضا وصل الحال بهم إلي دعوة أوباما للتخلي عن سياساته المدللة للمسلمين وللدول الإسلامية.. هل فهمنا الآن ماذا يحدث في أمريكا؟

* مدير مكتب "روزاليوسف" فى واشنطن

Sunday, October 31, 2010

أمريكا وتقسيم السودان ومياه النيل

لراى > أمريكا وتقسيم السودان ومياه النيل

كتب حنان البدرى

العدد 1632 - الاحد - 31 اكتوبر 2010

تلقيت الأسبوع الماضي دعوة لحضور اجتماع عقد بأحد الفنادق المقابلة لمبني وزارة الدفاع الأمريكية مع مسئول أمريكي كبير وحامل ملف السودان، الحضور كانوا ممثلين للجالية السودانية وممثلي المنظمات السودانية الأمريكية بالعاصمة الأمريكية، وفي معرض المناقشة المفتوحة التي امتدت لما يزيد علي الساعتين.

استلفت نظري ثلاث إشارات مهمة لهذا المسئول الذي استوقفتني صراحته المتناهية وغير المسبوقة ربما لخلفيته العسكرية، الأولي كانت حول حصة مصر من مياه النيل، والثانية كانت حديثه عن تقسيم بدا وكأنه أمر واقع لا محالة، والثالثة إشارته إلي مناطق جديدة بالسودان علي السمع من قبل مسئول أمريكي رسمي كمنطقة قبائل اليجاف شرق السودان.

حديث المسئول الأمريكي حول المياه التي تتحصل عليها مصر رغم حرصه علي الافراط في شرح مدي عمق العلاقات الأمريكية مع الحليف المصري، كانت مقلقة ، فقد أشار بضرورة أن تعيد مصر النظر في مسألة استهلاكها للمياه وترشيدها لأن «الأمور» تغيرت ولم تعد كما كنت.

وهي جد إشارة خطيرة أعادتني إلي ذات الموضوع المؤلم، حين نشرنا في «مجلة روزاليوسف» منذ العام 1998 محذرين من خطورة ما يتم التخطيط له جنوباً وحيث حدود أمننا الاستراتيجي القومي سواء بالنسبة لمياه النيل أو لمخطط تقسيم السودان.

بل ونشرنا خريطة توضح شكل السودان الجديد المقسم إلي خمس دويلات بما في ذلك تعديلات في الوسط لضمان دخول ابياي الغنية بالنفط إلي حدود الدويلة الجديدة المزمعة بالجنوب.

وكيف أن متوالية تقسيم السودان تستهدف إلي جانب الاستحواذ علي مقدرات وثروات هذا البلد الغني تطويق مصر جنوباً والتحكم في مصدر الحياة وشريانها «النيل» ساعتها اتهمني كثيرون بما فيهم بعض الزملاء بمركز دراسات الأهرام باعتناق نظرية المؤامرة، وبالغوا في الأمر لدرجة السخرية.

ووصل الأمر بوزير الري السابق الذي حذرناه من مغبة اللعب باتفاقيات تقسيم المياه وحصن مصر القديمة، وكان في طريقه إلي المطار للذهاب لمؤتمر مشبوه حول الأمر ذاته تمهيداً لتغيير هذه الاتفاقيات بتدخل غربي سافر وإسرائيلي مبطن وصل الأمر به إلي أن أصر علي نشر رد نعم علي تحذيراتنا في الصفحة المقابلة لموضوعي المنشور من منطلق استخدام حقه في الرد!! ألم تكن تلك السنوات الطويلة (12 عاماً) كافية لكي تنتبه للخطر القادم!! وكيف غاب عن مصر الربط بين خطط تقسيم السودان «الباب الخلفي» لأمن مصر وبين مخططات التحكم في عصب الحياة للبلد الأكبر بالمنطقة.

0إن العد التنازلي من منطلق تقسيم السودان بالاستفتاء المزمع في يناير المقبل بدأ بالفعل، لكنه لن ينتهي عن سودان شمال مسلم، وعربي وسودان جنوبي أفريقي يقولون إنه سيكون مسيحياً أفريقياً رغم أن تعداد المسيحيين به لا يتجاوز 15% من تعداد السكان وحيث كان التقسيم والتفتيت علي أساس الهوية الدينية والأثنية.

وهو كارت قديم ومعروف وسبق للمستعمر البريطاني استخدامه منذ أوائل القرن الماضي، سوف يتوالي سقوط الدومينو فبعد التقسيم شمالاً وجنوباً، سيكون هناك تفرغ لتقسيم دارفور الذي عجزوا عن تقسيمه علي أساس ديني بعد أن فوجئوا بأن سكان دارفور المتصارعين مسلمون واستعاضوا عن ذلك بتقسيم اثني علي أساس عرب وأفارقة بالثروة التي تقبع في جنوب دارفور وتحديداً في حفرة النار أو ما اسميناه بحفرة اليورانيوم يسيل اللعاب لها وهي ليست نفطاً بل واحدة من أكبر مواقع العالم التي تحتوي علي مخزون ضخم من اليورانيوم النقي، وبعد دارفور وربما بالتوازي معها سيتم تعجيل مخطط تأليب الساحل الشرقي السوداني والممتد ما بين بورسودان وحتي كسلا وباتجاه الحدود الاريترية حيث قبائل البجا، وحيث معقل (مؤتمر البجا) ومتمرديهم الذين سيلقون دعماً غربياً مسانداً تماماً كما حدث مع متمردي الجنوب.

أما عن ابيي الغنية بالنفط والتي تم خصيصاً إعادة رسم خارطة الحدود المرسومة أصلاً للتوصل بين الجنوب والشمال لضمان دخول ابيي إلي المناطق الجنوبية حيث سهولة عودة الشركات النفطية الكبري فإن زيارة المبعوث الأمريكي سكوت جريشن والتي بدأت الأربعاء إلي السودان ستكون مخصصة لحسم أمرها وتماماً كما يريد السيد الجديد.. علي أية حال فإذا كانت متوالية تقسيم السودان تبدأ في يناير، وإذا كنا للأسف متأخرين لدرجة لا تبشر بأي خير.

وإذا كان الثمن من أجل انقاذ شخص واحد أو أشخاص باستخدام عصا المحكمة الدولية هو ضياع بلد بكامله، لن تصبح مستقرة بأي حال من الأحوال وحيث ستصبح حدودنا الجنوبية عبارة عن دويلات معدومة من مقومات الدولة تأكلها صراعات منتظرة علي السلطة والثروة، بما في ذلك الجنوب الجديد المتوقع والذي لن تتواني أكبر قبيلتين فيه عن معاودة القتال فور الانفصال حيث ستكون الغلبة لمن يمنح تسهيلات أكبر للغرب مقابل الحماية.

إذا كان هذا هو المشهد المتوقع، فلا أقل من أن نحاول «نحن» قراءة ما بين سطور تصريحات مسئولي هذا الغرب، ولن أقول «تحليل» توقعات حتي لا نتهم مرة أخري باعتناق نظريات التآمر، نحن في حاجة لتحرك سريع وحاسم يصنع صراحة أمام الجميع بما في ذلك «الحلفاء الكبار» كل الخيارات علي الطاولة، علينا أن نخرج الدبلوماسية من الموضوع ونضع كل الخيارات الأخري علي الطاولة لأن الأمر جد أصبح بالنسبة لمصر مسألة حياة أو موت.

Sunday, October 24, 2010

الراى > تراثنا الفني في يد متطرف أمريكي

الراى > تراثنا الفني في يد متطرف أمريكي

كتب حنان البدرى

العدد 1626 - الاحد - 24 اكتوبر 2010

حسنت فعلت محطة NPR الأمريكية بطرد كبير معلقيها جوان وليامز الأربعاء الماضي أثر قيامه بالتحدث سلبًا عن المسلمين، في محطة فوكس التليفزيونية الأمريكية، وليامز كان قد قال أنه يشعر بالقلق والخوف والعصبية حين يكون علي متن الطائرة التي يرتادها أشخاص يرتدون زيا إسلاميا، من جانبها فإن المحطة أي NPR أو المحطة العامة وهي الأوسع انتشارًا والمماثلة للبرنامج العام لدينا مع الفارق إذ إنها مملوكة للمواطنين حيث تدعمها أموالهم وتبرعاتهم، اتخذت القرار بعد أقل من 48 ساعة علي تعليقات كبير معليقها السخيفة بحق المسلمين وذلك من واقع أنها محطة تعبر عن كافة الأمريكيين واستنادًا إلي سياسة أقرها دستور بلاد هي صنيعة مهاجرين قدموا من كافة أنحاء العالم ويعبرون عن كافة الثقافات ويعتنقون كافة الأديان، ويتمتعون بحرية العقيدة.

وإذا كان هذا موقف محطة محترمة فالأمر لا يندرج بالضرورة علي الجميع هنا، فمحطة مثل فوكس نيوز والتي يمتلكها امبراطور الإعلام روبرت ميردوخ، والمعروفة بيمينيتها وتطرفها وانتماء أفكار صانعيها لتيار اليمين المسيحي الصهيوني لم تكف يومًا ولن تكف مثلها مثل معظم أبواق ميردوخ الإعلامية عن شحذ الرأي العام الأمريكي ضد الإسلام والمسلمين وهم الضحية الأساسية في الولايات المتحدة والغرب لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر والحروب التي تلتها تحت ذات المبرر غير الواقعي وحيث أصبح الإسلام ومن ثم المسلمين مرادفاً للإرهاب وحتي مع مجيء رئيس كأوباما حاول انهاء بعض من تأثير هذا التيار ولكن عبثاً وإذا كان المسلمون في أمريكا مستمرين في محاولاتهم للصمود أمام هذا التيار إلا أن اللعبة السياسية في أمريكا والحرب علي الإسلام باعتباره وقود هذه اللعبة مستمرًا وغير متوقع أن تنتهي في القريب العاجل والتي تمثل فيه آلة ميردوخ الإعلامية بوق الدعاية الأساسية والمهم لهذه الحرب لذا أجدني مندهشة للغاية حين يهتم الترحيب وتمرير أمر شراكة ميردوخ مع شركة روتانا بصمت مريب ومهين لكل العرب بل ولكل المسلمين فحين يتشارك هذا الرجل في امتلاك مقدرات ثقافية لأمة بكاملها فهذه هي الكارثة، فلا يستطيع المرء أبدًا أن يهضم فكرة أن تستأثر شركة تتشارك مع هذا الرجل بتاريخ الموسيقي والفن والثقافة والفكر والسينما المصرية، ولا نستطيع أبدا أن نبتلع قصرا رداء البيزنس والشركات العابرة للقارات والمصالح المالية كعباءة نغطي بها علي قصور كبير ومذل تمثله هذه الشراكة.. لذا علي أول الأمر والمعنيين وحماة التراث نعني المصري علي الأقل أن يتحركوا، فكما هناك مثل هذه العباءة الكاذبة هناك أيضا عشرات من المبررات التي يمكن استخدامها لإزاحة إمبراطورية هذا الرجل بعيدا عن مقدراتنا الثقافية ومنها علي سبيل المثال لا الحصر مقاطعة الرأي العام المصري والعربي لإنتاج روتانا ومحطاتها في حال استمرت الشراكة وهو مبرر عملي ومفهوم غربيا ودوليا لأنه يعني الخسارة لرأس مال قائم علي المكسب، وحين يقدم الأمير وليد بن طلال علي مواجهة شريكه بهذا الواقع لن يستطيع الأخير سوي الانسحاب حسب أصول نفس السوق الذي سهل من قبل هذه الشراكة.

إن الحرب علي الإسلام والمسلمين في أمريكا وفي الغرب علي وجه العموم مستمرة، ومؤججوها يدركون جيدا أنه طالما التزم الطرف الآخر - أي نحن - الصمت فمعناه إما ضعف أو استسلام أو عدم اهتمام علي أقل تقدير وسيستمرون في تأجيج حربهم لاهداف أخري سياسية واقتصادية فهنا علي سبيل المثال لا يكاد يمر أسبوع دون ضجة تلصق بالمسلمين الاتهام بالارهاب وتسارع امبراطورية ميردوخ الإعلامية بتلقفها والتطبيل لها لحين صناعة حدث آخر مماثل ويكن ما حدث قبل أيام عندما قامت الدنيا ولم تقعد وسيرت المظاهرات وحملات المقاطعة ضد أحد أكبر شركات الحساء المحفوظ، بسبب وهي قيام الشركة بإنتاج معلب يحتوي علي حساء به مكرونة علي شكل هلال شعار المسلمين وكان نتيجة ذلك أن قامت الشركة بالتأكيد علي أن المنتج يتم توزيعه في كندا فقط وانه ليس في نيتها توزيعه في انحاء الولايات المتحدة.. هل فهمنا شيئًا من هذه الصفعة.. اتمني.

مديرة مكتب "روزاليوسف" في واشنطن

Sunday, October 17, 2010

الراى > حلاوة شمسنا.. للبيع والتخصيص أحياناً

الراى > حلاوة شمسنا.. للبيع والتخصيص أحياناً
كتب حنان البدرى

العدد 1620 - الأحد الموافق - 17 اكتوبر 2010

مجدداً أراني أعود لمناقشة موضوع الطاقة وجهود الحكومة المصرية الرشيدة في إطار خطط التعامل مع واقع مستقبلي سيواجهنا خلاله إن لم تكن بدأت بالفعل تحديات توفر الطاقة لا سيما الكهربائية.

فخلال الأسبوع الماضي كانت العاصمة الأمريكية تشغي بالاجتماعات وحفلات الغداء والعشاء علي هامش الاجتماعات الدورية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقد جمعتني الصدفة للجلوس بجوار مسئول كبير وكان حديثنا كله حول مصر، ووجدتني اذكر تصريحات لرئيس الوزراء د. أحمد نظيف قالها الشهر الماضي وأكد فيها أن مصر لم تعد بحاجة لقروض البنك الدولي بعد تطور اقتصادها وزيادة حجم الاستثمار بها.

وأن كل ما تحتاجه مصر الآن مساعدات في مجال التنمية البشرية، ولكنني صدقت بما ذكره المسئول الأممي الجالس إلي جواري من أن حجم القروض التي حصلت عليها مصرفي العام الحالي وصلت إلي 2.3 مليار مقابل 955 مليوناً في العام 2009 ، واستلفت نظري أيضاً حديث الجالسين حول المائدة عن مشروع توليد الطاقة الشمسية الضخم والذي بموجبه ستضمن مصر ومعها عدة دول عربية شمال أفريقية حاجة دول أوروبا من الطاقة.

وهو المشروع الذي ما أن اعلن الاتفاق المصري - الأوروبي حوله حتي سارع البنك الدولي وعلي الفور بتأمين قروض تنفيذه.

وبغض النظر عن كون مشاريع الطاقة المتجددة والنظيفة هي أفضل ما يمكن لإنسان هذا العصر الحصول عليه، وهو ايضا ما نشدنا بتفعيله منذ عدة أسابيع، إلا أن تفاصيل المشروع تحديدا ومشاريع موازية متعلقة بتوليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تطرح تساؤلات وعلي حكومتنا الرشيدة الاجابة عنها، فهذه القروض المليارية في نهاية الأمر ليست مجانية.

ولكنها قروض بفوائد سيتحملها المواطن المصري، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن نتساءل عن الفوائد التي ستعم علي هذا المواطن المطحون أصلا، فهل سيحصل المواطن علي حقه من طاقة بديلة نظيفة بسعر رخيص، أم أن مشاريع تخصيص الخدمات المفترض أنها عامة وحكومته ستقضي علي أمل حصوله علي طاقة بديلة بسعر تفصيلي ولم لا فالشمس شمسه وهل سيترك الحبل علي الغارب للقطاع الخاص لإدارة استثمار كهذا ومن ثم الاستفادة منه ومدفوع بتكلفته وديونه وفوائده من جيب المواطن الغلبان!

وهل فعلا سيستمتع نفس المواطن بقرار الحكومة تخصيص ملايين من الأفدنة المملوكة للدولة أي للشعب المصري وبدون مقابل أو بطرحها للمستثمرين بنظام حق الانتفاع!، وماذا عن المياه المستخدمة لتوليد الطاقة الشمسية في وقت تواجه فيه مشكلة داهمة في المياه!! هل سيسدد الشركاء الأوروبيون، ودعونا من القول «الأوروبي» بأن المياه الناتجة عن تكثيف المياه المستخدمة لاستخراج الطاقة يمكن استخدامها للشرب وهذه مسألة تحتاج لشرح من المتخصصين في البيئة والصحة فمشاريع مثل تلك بقدر أهميتها الكبري إلا أنها تصبح مجرد «سبوبة» استثمارية عائدها الأكبر يصب في مصلحة المستورد أي الشمال الأوروبي الغني، وأيضًا لصالح المستثمرين بغض النظر عن جنسياتهم.

سؤال آخر تفرضه هنا إجراءات بدأت منذ فترة في واشنطون وداخل البنك الدولي حول الأولويات أي توفير فرص العمل في تلك المشاريع العملاقة التي ستتم علي أرض مصر فهل ستثمن حكومتنا هذه المرة الصالح القومي علي ما عداه وتطلب وضع شروط تمنح الأولوية في الوظائف لأبناء البلد، أم سترتدي قبعة الخواجة وتستقدم عمالة وظيفية من الخارج من إيطاليا وألمانيا علي سبيل المثال «كما سمعت هنا».

نحن نريد توضيحًا شافيا من القائمين علي صنع القرار في حكومتنا وهو التوضيح الذي نرجو ألا يكون وكالعادة مجرد تطمينات بعبارات مضخمة حول التنمية وبأن القروض المأخوذة من البنك الدولي الذي لا يلقي بالعصافير لصالح مشاريع متنوعة للطاقة، وبأن الشراكة مع الشمال ستعود علي مصر بفرص عمل.. إلخ.

نريد إجابات واضحة تشرح تحديدا حجم استفادة المواطن المصري من مثل هذا المشروع الضخم المعروف باسم مشروع الطاقة الشمسية لجنوب المتوسط والأهم نريد تأكيداً علي حصول مصر علي نسبة أساسية من ناتج الطاقة وأنه في حالة دخول القطاع الخاص الاستثماري في المشروع فإن دافع الضرائب المصري بفضل جهود الوزير اللامع يوسف بطرس غالي لن يتحمل فوائد قروض لم تكن موجهة لصالحه في أغلبها، لأنه ببساطة ودون تأمين مصالحنا القومية لن يجد المواطن سوي خفي حنين وترديد ربما أغنية من بقايا الزمن الجميل وهي حلاوة شمسنا، لكن حينها فإنها ستكون حلاوة لغيرنا.

* مديرة مكتب روزاليوسف فى واشنطن

Sunday, October 10, 2010

في بيتنا.. إبراهيم الرفاعي

الراى > في بيتنا.. إبراهيم الرفاعي

كتب حنان البدرى

العدد 1614 - الاحد - 10 اكتوبر 2010

يحل عيد نصر أكتوبر المجيد هذا العام، ومعه أجواء حميمية أكثر زخمًا، أجد من الصعب شرحها في سطور، وكأن «روح» أكتوبر تفرض نفسها علينا هذه المرة بقوة الحنين إلي النصر والامتنان والعرفان لجميل «أعز الرجال وخير جند الأرض» أجواء متجددة لم يمحها مرور السنين، فلا نسينا ولا نستطيع يوما أن نفعل المبهج هنا ومن واقع تجربة شخصية كان في مشاعر جيل جديد ولد بعد النصر، ويختزن داخله بحرص الوعي الكامل بقيمة النصر وبفضل هؤلاء العظام الذين أزاحوا مرارة هزيمة 67، هذا الوعي في مقابل مشاهد متناقضة كفتوي جاهل نصب نفسه شيخًا ليفتي ببيع الآثار وتحطيم التماثيل عبر قناة متطرفة لا ندري من يمولها وآخر يدعي الفن والطرب وعلي رأسه يظل ابدًا عار التهرب من شرف التجنيد، وآخرون يعبئون للفتنة بين عنصري الأمة.

وزد علي هذا السخف الكثير من محاولات التطاول علي نصر أكتوبر ومنهم للأسف أحد الشباب الذي أرسل مستهزئًا بالنصر ومشككا في حدوثه وهو أمر جد خطير، فمعناه أن الجهود المعنوية المضادة التي دأبت إسرائيل علي نشرها في محاولة يائسة للتشويش علي هزيمتها في أكتوبر قد أتت ثمارها، ولكن هيهات، طالما ظل في هذا البلد من يحرس مصالحها ومقدراتها، ولعل الرسالة القصيرة التي جاءتني علي صفحتي علي الفيس بوك من باحث النووي الإسرائيلي آفنير كوهين عندما وجد صورة أسطورة الصاعقة البطل إبراهيم الرفاعي تزين صفحتي وفيها سؤال «لماذا الآن» لعله كان حافزا اضافيا لأوقن بأن الوقت قد حان لأن ابدأ بنفسي، فجلست مع ابني الصغير لأحكي له عن أكتوبر وعما قبل أكتوبر عن الشهيد الرفاعي، وزملائه الأبطال، عن الرقيب محمد حسين أول مجند شهيد، وعن اللواء شفيق متري سدراك أول ضابط شهيد،

عن العريف عبدالحميد الطاهر ثاني من تطأ قدمه أرض سيناء وصيحة زميله الإسكندراني مينا صليب الذي أصر علي الصيام مع اخوانه وهو يهتف «الله أكبر» عن الفريق عبدالمنعم رياض وانتقام الفرقة 39 بقيادة الأسطورة إبراهيم الرفاعي، وعمليات خير جند الأرض عبر الاستنزاف وحتي نصر أكتوبر حتي آخر لحظة في 19 أكتوبر عندما قدم آخر ما عنده دماءه الذكية وهو يحمل سلاحه.

أسئلة وحيدي كانت كثيرة، حاولت علي قدر المستطاع الاجابة عنها وبفخر حكيت له أيضا عن والده الذي قطع دراساته العليا بالولايات المتحدة قبل عشرين عاما ليعود طواعية لينول شرف تأدية الخدمة العسكرية وعن حرص والده علي الاحتفاظ ببذة الجندية المعلقة وعليها خوذة وحذائه العسكري بمنزلنا القاهري ومساء الأربعاء الماضي اصطحبت ولدي إلي احتفالات العيد في السفارة المصرية، كان بدوره سعيدا فخورا برؤية زملاء أعز الرجال، وفي طريق العودة أبلغت بأنه يستبق الساعات ليحكي لزملائه في المدرسة كيف زار مصر بالأمس فيحتفل بالعيد. عيد أكتوبر قبل أن يستطرد متسائلاً «أليست السفارة أرضا مصرية يا أمي!! نحن في حاجة لروح أكتوبر تلك التي لم تعرف جغرافيا ولا حدود، نحن في حاجة لإعادة استيعاب ونشر «ثقافة النصر»، صحيح أن حرص أجيال متلاحقة علي تسجيل وتوثيق بطولات خير أجناد الأرض للتاريخ أمر جد هام، ولكن الأهم منه هو تحويل روح أكتوبر إلي واقع علي الأرض واقع يلفظ القلة التي تسربت أفكارها الغريبة وتطرفها إلي جسد الوطن، كالسرطان.

واقع لا يكتفي بشكر سنوي إلي الرجال الذين جاءوا بالنصر بل بتعليم أولادنا ألا ينسوا وبأن تضحية هؤلاء الذين ماتوا لنحيا فعاشوا فينا للأبد لن تضيع هدرًا. هو دين في الأعناق ليوم الدين، علي كل جيل أن يسمله للجيل الجديد، وأن ترجمة رد الدين لا تكون فقط بتثمين النصر ولكن في تحويله إلي طاقة تنوير تزيح غشاوة الاستسلام لمحاولات جرجرتنا إلي عوالم التخلف طواعية للأسف، علينا أن نستفيق ونفسح الفرصة لروح أكتوبر كي تأخذ بأيادينا، فعدونا مازال يتربص، وكل نجاح يصيبه في مقتل وهي مسئولية كل أم وأب، عليهم أن يبقوا تضحية هؤلاء الذين جاءوا لنا بالنصر ماثلة في كل بيت وساعتها لن يخشوا علي أبنائهم علي كل منا أن يبقي بطولة إبراهيم الرفاعي حاضرة في بيته.