هدأ إعصار «ساندى»
لتعاود أعاصير الحملات فى المعركة الانتخابية الأمريكية، مع دخولها المراحل
المصيرية واشتعل من جديد الصدام بين المتنافسين أوباما ورومنى، يعتقد أن
الرعاية الإلهية قدمت للمرشح الديمقراطى دعما لم يستطع أن يقدمه لنفسه، إذ
تسبب أداؤه القيادى فى متابعة ومعالجة كارثة إعصار ساندى فى رفع نسبة
التأييد له فى عدد من ولايات الترجيح لاسيما ولاية أهايو التى أظهرت نتائج
استطلاع نشرت أمس الأول تقدم أوباما على منافسه الجمهورى ميت رومنى بفارق
خمس نقاط 50 ٪ لأوباما و45 ٪ لرومنى، على الناحية الأخرى وضعت ساندى المرشح
الجمهورى ميت رومنى فى موقف لا يحسد عليه لدرجة اتهامه بالفشل فى محاولة
كتابة دور لنفسه فى الكارثة التى شدت أمريكا والعالم.
كان هذا هو الوضع فى الولايات
المتحدة على مدى الأيام الأخيرة الماضية بينما الناس فى مصر كغيرها فى جميع
دول العالم تتابع ساندى وتتابع الانتخابات الأمريكية التى ستحدد بعد ثلاثة
أيام هوية القادم إلى البيت الأبيض. البعض متخوف من وصول رومنى لأنه يعنى
وصول وعودة التطرف واستعراض العضلات وغطرسة عهد تشينى بوش مضروبة فى عشرة
أمثال ولم لا؟
كل فريق مستشارى رومنى هم من
عتاة اليمنيين وكبار مساعدى تشينى نفسه ويدعمون مثلث سوق المال ومؤسسة
تصنيع السلاح وشركات الطاقة والنفط ومنهم من هو من مجاذيب المحافظين الجدد
واليمين المتطرف والتيار المسيحى الصهيونى، من ضمن مستشارى رومنى : مايكل
شيرتوف، المتخصص فى شئون الاستخبارات ومكافحة التجسس والذى عمل وزيراً
للأمن الداخلى ومعروف عنه سجله فى مجال ما يعرف بمكافحة الإرهاب فى عهد بوش
وإليوت كوهين، المعروف بمواقفه اليمينية المتشددة، وعمل كمستشار لوزارة
الخارجية الأمريكية (2007 - 2009)، وعضو مجلس مستشارى السياسة الدفاعية
(2001- 2009) ومايكل هايدن، متخصص فى شئون الاستخبارات ومكافحة الإرهاب.
عمل مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (2006 - 2009)، ومديراً لوكالة
الأمن القومى فى عهد بوش وإيريك إيدلمان، المتخصص فى شئون مكافحة انتشار
الأسلحة ودانيال سينيور المعروف بتعاطفه الشديد مع إسرائيل وميغان
أوساليفان، مستشارة لشئون الشرق الأوسط سبق لها العمل كمساعد خاص للرئيس
جورج بوش.
بغض النظر عن هؤلاء وتوجهاتهم
وحتى عن هوية الفائز فى انتخابات الثلاثاء فيخطئ كثيرا من يظن فى عالمنا أن
منطقتنا ستتأثر بفوز أحدهما، فالسياسة الأمريكية تحددها مصالح أمريكا
وعادة ما يتم تحديدها وتجديدها وفق المتغيرات الدولية كل عشر سنوات فى
التقرير المعروف باسم التقرير الأمنى الاستراتيجى الأمريكى، وهو عرضة لبعض
الرتوش التى تضيفها من حين لآخر كل إدارة دون تغيير فى المضمون.
ولعل الأخطر هنا أن يظل عالمنا
مرتهنا بإرادة واشنطن، ولقد تابعنا المعركة المحتدمة بين أوباما ورومنى
وكانت ملفات السياسة الخارجية أحد أركانها، وقد رأينا كيف هيمنت قضايا
الشرق الأوسط على المناظرة الأخيرة بينهما فتبارى المرشحان فى إظهار
دعمهما غير المحدود لإسرائيل وإن كان أوباما قد عبر عن اعتزامه الاستمرار
فى الضغط بالعقوبات على إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووى وأنه لن يترك أى
خيار سياسى أو دبلوماسى إلا واستخدمه، وأكد أن إسرائيل هى أعظم حليف
لواشنطن فى المنطقة، وإنه «سيقف إلى جانبها فى حال هوجمت قال الرئيس
الأمريكى إن طهران لن تحصل على سلاح نووى ما دام رئيسا لأمريكا، وفيما أكد
رومنى أنه لن يتردد فى الوقوف عسكريا إلى جانب إسرائيل فى مواجهة أى تهديد
لها. فماذا نفهم من ذلك ؟ لاسيما حين نستعرض ونحلل تعليقاتهما حول مصر
تحديدا .. فنجد أوباما يكرر قناعته بـأن التزام مصر بمعاهدة السلام مع
إسرائيل هو خط أحمر وكيف أن حكومته ساندت الديمقراطية فى مصر وأن هناك
حكومة منتخبة ديمقراطيا فى مصر، سيتم التأكد من أنها تتحمل المسئولية
لحماية الأقليات الدينية ومن الاعتراف بحقوق المرأة ومكررا أن إدارته وضعت
ضغوطا كبيرة على الإخوان للتأكد من أنهم يفعلون ذلك؛ وللتأكد من أنهم
يتعاونون معنا عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب.
وبالمقابل فإن رومنى يهاجم
أوباما بشدة فيما يتعلق بوصول الإخوان المسلمين للحكم وقد رد عليه
السيناتور الديمقراطى جون كيرى فيما يتعلق بالإخوان المسلمين تحديدا وقال
إن الإخوان لم يتواجدوا فى ميدان التحرير عندما اندلعت الثورة ولم يشاركوا
فيها فى البداية لكنهم لاحقوا، ولأنهم منظمون تمكنوا من الفوز بالانتخابات.
فهل حقا يعنى الطرفان بمصالح
مصر؟ الإجابة يا سادة أن أمريكا ترغب فى هدوء تام بالمنطقة بغض النظر عن
الشعارات البراقة حول حقوق المرأة أو الأقليات أو الدمقرطة و لايهمهم هنا
أن ترتد الحريات فى مصر مائتى عام للوراء مادامت الدولة المصرية وديعة
مطيعة كدول أخرى بالمنطقة وفى السعودية خير مثال.
الأمر الآخر والذى يحتل ربما
المرتبة الأهم فى أولويات أى إدارة أمريكية بالنسبة لمصر الدولة الأكبر
والأقدم بالمنطقة فهى التأكد من أمن إسرائيل، وبنظرة عامة للحملة التى تبدو
وكأنها نظمت على عجالة قبل يومين للهجوم على الرئيس المصرى سنجد تفرد
وسائل إعلام يهودية بالولايات المتحدة أمس الأول بتدشين الحملة كاشفة فجأة
وبعد حوالى الشهرين أن رئيس مصر محمد مرسى قام بحذف الفقرات المتعلقة
بإسرائيل من خطابه أمام الأمم المتحدة يوم 26 سبتمبر الماضى على الرغم من
وجودها بالفعل فى خطابه المكتوب، وقالوا إن محللى وكالة أخبار الشعب
اليهودى قد حصلوا على النسخة الأصلية للخطاب وإن كانت منظمتهم قد قالت إنهم
حللوا ما وزعته البعثة المصرية قبل كلمة مرسى على الوفود، وبرروا توقيت
هذا الكشف بـأن الإسرائيليين لم يلتفتوا كثيرا للأمر فى حينها بسبب
انشغالهم بإحياء يوم كيبور، وأن الكلمة الأصلية كان بها فقرتان إحداهما
كانت عبارة عن إعادة الالتزام بالاتفاقات الدولية التى وقعتها مصر فى
السابق بما فيها اتفاقية السلام عام 1979 مع إسرائيل، والفقرة الثانية كانت
حول خطة السلام العربية المعروفة بمبادرة السعودية ببيروت، والتى دعت إلى
تبادل الاعتراف العربى بإسرائيل وعودة إسرائيل إلى حدود عام 1967 وحل لقضية
اللاجئين الفلسطينيين.
وقالت المنظمة اليهودية إن مرسى
أزال هذين العنصرين فى كلمته المنطوقة، وأنه يتعمد منذ وصوله للحكم عدم
ذكر اسم إسرائيل كما سجل له قيامه بقول «آمين» فى أعقاب دعاء أحد الأئمة
لله بعقاب اليهود. وبغض النظر عما لفت إليه بعض الخبثاء فى واشنطن أمس عن
ضرورة الربط بين توقيت هذه الحملة ضد الرئيس المصرى وانتقادات أخرى داخل
مصر وجهت لمرسى على خلفية اللغة الحميمية التى استخدمها مرسى فى خطابه إلى
رئيس إسرائيل بمناسبة تعيين سفير مصرى جديد هناك، هذا إن أردنا تفسير هجوم
اللوبى الإسرائيلى عليه الآن تحديدا !وكيف بدأوا مجددا فى انتقاد وإعادة
نشر تصريحات محمد بديع مرشد الإخوان، والتى قال فيها إن «الصهاينة لا
يفهمون إلا لغة القوة» و«إنهم وراء زيادة الفساد فى جميع أنحاء العالم،
وسفك الدماء وتدنيس الأماكن المقدسة».
وأصدر رئيس عصبة مكافحة التشهير
بواشنطن قبل يومين وهى من كبريات منظمات اللوبى الإسرائيلى بيانا جاء فيه
إن طبول معاداة السامية تقرع فى مصر «الجديدة » فى ظل وجود مرسى رئيسا،
وقال: «نشعر بالقلق على نحو متزايد عن استمرار الكراهية لليهود وإسرائيل فى
المجتمع المصرى وصمت الرئيس مرسى فى مواجهة معظم هذه التعبيرات العامة
للكراهية »، وانتقد آخرون مرسى بشكل بدا متعمدا . وهدد آخرون باللجوء
للكونجرس، إلا أن اللافت كان تصريحات أدلى بها ستيفن كوك عضو مجلس العلاقات
الخارجية الأمريكية ودعا فيها إلى دور أمريكى لمراقبة دقيقة لمناطق
التوترات بين إسرائيل ومصر قابل للاشتعال وإلى أن تقوم الولايات المتحدة
بالمساعدة فى إدارة الوضع والموقف فى سيناء، مشيرا إلى ازدياد الاضطرابات
هناك والتوتر المتصاعد فى شبه جزيرة سيناء بعد الهجمات الإرهابية على
الحدود مع إسرائيل- حسب وصف كوك - الذى توقع إن لم يحدث هذا أن يتفشى ما
وصفه بالصراع فى هذه المنطقة.
أمر آخر مهم اكتشفته لدى محاولة
تقصى السبب الحقيقى وراء هذه الحملة المزدوجة بشقيها الهجومى على الإخوان و
بشقها الآخر المتعلق بسيناء، الأمر الذى يستوجب ونطالب بفتح تحقيق فورى
حول ملابساته، وهو قيام مؤسسة «المشروع الإسرائيلى » الصهيونية بتمويل
استطلاع للرأى داخل مصر وعبر مقابلات شخصية مع 812 مواطنا مصريا فى سبتمبر
الماضى وكانت نتيجته أن 74 ٪ من المصريين لا يوافقون على وجود علاقات
دبلوماسية مع إسرائيل، هذه النتائج التى باشرتها شركة جرنبرج كوينلان روزنر
وبمعدل خطأ لا يتجاوز 5,3 ٪ أى دقيق للغاية . تم استخدامه والترويج له
بالتوازى مع حملة أخرى تكرس لمصر جديدة متطرفة و مرشحة كقاعدة للإرهاب
العالمى.
وأنها - أى مصر - غير قادرة على
حماية حدودها وهاهى بحكم علاقة الامتداد مع حماس وإخوان سوريا تفتح سيناء
تحديدا للاجئين من سوريا، بينما تتوسع أعمال البناء فى العريش لصالح هؤلاء
الحلفاء الجدد، بينما أصداء رسالة رئيسها الحميمة والمهادنة لرئيس إسرائيل
ترن فى خلفية المشهد الكارثى تمهيدا لمشهد آخر أشد كارثية يتم فيه استئصال
قطعة عزيزة من لحم مصر الحى!.
No comments:
Post a Comment