Sunday, January 2, 2011

لغة المصالح.. التي لا نعلمها

الراى > لغة المصالح.. التي لا نعلمها

كتب حنان البدرى

العدد 1686 - الاحد - 2 يناير 2011

تظل مسألة تنامي النفوذ الإسرائيلي داخل أمريكا وحول العالم حاضرة بكل معانيها الاستفزازية، وهو نفوذ متنام إلي درجة البلطجة والغرور الذي لا يجد من يردعه، إلي درجة جعلت الرئيس الأمريكي باراك أوباما ينتهز فرصة عطلة الكونجرس ليعجل التوقيع علي قرار إرسال سفير أمريكي جديد إلي دمشق وآخر إلي تركيا، بل وتوقيع قرار تعيين نائب لوزير العدل الأمريكي بعد أن ظلت تلك القرارات في مواجهة اعتراضات من الجمهوريين المناوئين لأوباما داخل الكونجرس. هذا النفوذ الإسرائيلي والذي يعتمد علي سياسة لا تترك المجال لهفوة أيًا كان مصدرها وسواء كان المعترض علي سياسة إسرائيل سياسيا أو كيانًا اقتصاديا أو حتي دولة دون محاسبة باستخدام كل الأدوات المتاحة بدءًا من المحاكمة بعد أن نجحت مراكز القوي المعروفة باسم لوبي إسرائيل في مختلف أنحاء العالم في تقنين ما يعرف بفزاعة معاداة السامية، ولدينا مثال المفكر الفرنسي روجيه جارودي، وحيث أصبحت معظم بلدان الغرب وعلي رأسها الولايات المتحدة تعاقب من يثبت اتهامه بما يسمي «معاداة السامية».

ومرورًا باستخدام فزاعات الإعلام الموالي لإسرائيل، استخدام هذه الفزاعة أي معاداة السامية شجع إسرائيل علي التمادي وحيث تحاول دون كلل ادماج معاداة السامية أو اليهودية بمعاداة ما يسمي بالصهيونية، في الوقت الذي تحاول الحصول علي اعترافات دولية بيهودية الدولة الإسرائيلية.

وفي الوقت الذي جندت فيه إسرائيل نفوذها المتنامي لوقف أي محاولات فلسطينية للجوء إلي الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطينية وللأسف نجحت في الحصول علي دعم أمريكا وهو شيء متوقع فصدرت التحذيرات ولن أقول الأوامر وتراجع الجانب الفلسطيني عن مطالبته هذه، فإن نجاحًا آخر تكاد إسرائيل أن تحرزه برز قبل أيام حين أعلن الفلسطينيون علي استحياء لجوئهم لمجلس الأمن الدولي لإدانة ـ مجرد إدانة ـ الاستيطان الإسرائيلي المستمر علي الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس منذ العام 1967، .

وسارع المتحدث المناوب باسم الخارجية الأمريكية إلي الاعتراض علنا علي تلك المحاولة وبالطبع استخدم مبرر «ترك الجانبين للنقاش مباشرة حول هذه القضايا في محادثات السلام»، هذا الاعتراض وإن كان لم يتضمن إشارة واشنطن لاعتزامها استخدام حق الفيتو لوقف استصدار مشروع القرار هذا والخالي تماما من أي اقتراحات لفرض عقوبات علي إسرائيل ـ إلا أنه يعكس بوضوح موقف واشنطن التي كانت قبل أسابيع قد أعلنت تسليمها وتوقفها عن مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان.

إن الغرور الإسرائيلي المستمر وصل إلي درجة إعداد قانون عبر الكنيست يجرم من يجرؤ من الشركات أو الدول علي مقاطعة منتجات المستوطنات غير الشرعية ـ حسب القانون الدولي لأنها علي أرض محتلة ومسروقة ـ كأجراء احترازي يمهد لاستصدار نسخ منه علي المستوي المحلي في دول العالم بعد تزايد اعتراضات متواضعة في الشارع الأمريكي والأوروبي مؤخرًا ضد متاجر تبيع سلعًا مستوردة من المستوطنات الإسرائيلية وتباع بعضها تحت لافتات غير حقيقية تدعي أنها منتجات إسرائيلية وليست منتجات للمستوطنات المنهوبة من أراضي الفلسطينيين وتتوالي الأنباء حول نجاحات النفوذ الإسرائيلي، في تواز مخجل مع جهل بين ومضاد من الجانب العربي.

فإسرائيل الذي امتد نفوذها في مناطق الخط الأحمر بالنسبة لنا ولدينا مثال علي ذلك في علاقتهم المشبوهة بالسودان الجنوبي المفترض وحيث ستكون سفارة إسرائيل واعتراف إسرائيلي وأمريكي في سباق لتبوؤ أول من يعترف بأول دول السودان المقسمة، فمتي ندرك أنهم في واشنطن وبقية عواصم أوروبا والغرب عمومًا لا يفهمون سوي لغة المصالح بدليل مواقفهم التي تغيرت فورا بوقع «ذات المصالح» عقب موقف العرب الموحد واستخدامهم لسلاح النفط في حرب 1973 .

لقد نجحت إسرائيل في التأثير بنفوذها المفرط علي صناع القرار بل والرأي العام فحولت الحقائق إلي أكاذيب، وتحولت مصالح الغرب مع العرب إلي أصفار، وتحولنا نحن إلي دول تؤيد الإرهاب الفلسطيني وظهرت حملات منظمة ضد الإسلام والعرب بل وحملات زرعت لدي الرأي العام رفضًا للاعتماد علي النفط العربي.

بينما غابت الحقيقة والتي تقول إن مجموع الواردات الأمريكية من النفط العربي قياسا علي وارداتها العامة من النفط لا تتجاوز 20% وأن الشركات النفطية الكبري وأغلبها أمريكية تعيش علي مكاسب هائلة من واقع سيطرتها علي صناعة وتجارة النفط العربي حول العالم تتجاوز في كثير من الأحيان مكاسب أصحاب النفط أنفسهم، بعد هذا لا يبقي لنا سوي أن نحلم بيوم يكون بوسع المرء منا ونحن نعبر إلي عام جديد أن نحلم مجرد أن نحلم بموقف عربي واحد يعتمد علي لغة المصالح حين نستطيع أن نقايض ولو لمرة واحدة أخري مصالحنا بمصالحهم ومواقفهم تجاهنا وتجاه إسرائيل بتوقفنا عن المنح دون مقابل سوي «الذلة».

Sunday, December 26, 2010

عندما تحدثت أمريكا عن تقسيم كعكة السودان

الراى > عندما تحدثت أمريكا عن تقسيم كعكة السودان

كتب حنان البدرى

العدد 1680 - الاحد - 26 ديسمبر 2010

لم يلتفت كثيرون لمضمون المكالمة الهاتفية التي حرص الرئيس الأمريكي باراك أوباما علي إجرائها مع نائب الرئيس السوداني سيلفا كير والذي تصفه وسائل الإعلام الأمريكية، بأنه زعيم جنوب السودان وذلك في عز انشغال أوباما بإدارة أولي معاركه مع الكونجرس لتمرير معاهدة ستارت مع روسيا وعدد آخر من القوانين المهمة والمثيرة للجدل، ولكن بالنظر إلي بيان الأبيض حول هذه المحادثة استلفت نظري جملة تتحدث عن قيام أوباما بالتأكيد علي أهمية زعامة سيلفاكير في هذه المرحلة غير المستقرة من تاريخ السودان، هذه الكلمات لو وضعناها بجانب عدة مؤشرات أخري تلاحقت علي مدي الأسبوع الماضي ستري بوضوح إلي أين يسير المشهد السوداني المضطرب، منها تصريحات ياسر عرفان القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان - تحريرها من من !! والتي ذكر فيها أن القطاع الشمالي للحزب سيتحول إلي حزب مستقل بمجرد انفصال الجنوب، ثم تلويحه بالتهديد بأن الحركة ستسعي للحصول علي دعم المواطنين المهمشين حتي من متمردي دارفور!!

حرب التصريحات هذه لم توتر الرئيس السوداني عمر البشير الذي بدا أداؤه في قمة التردد فهو تارة يهدد بوضع دستور جديد أساسه الشريعة الإسلامية، ثم يتراجع عن تصريحاته تلك وغير الحكيمة فيعلن أن السودان ملتزم بإجراء الاستفتاء في موعده.

هذه التصريحات التي زادت الطين بلة كانت تجري في وقت كان فيه الاستعداد علي قدم وساق لمرحلة ما بعد الاستفتاء ولا أقصد انفصال الجنوب فهذا أصبح أمراً مفروغاً منه، ولا استبعد أن تكون واشنطن ومعها سلسلة من الدول الأوروبية والأفريقية والمجموعات الحليفة للولايات المتحدة وإسرائيل علي رأس أولي الدول التي بدأت تستعد بالفعل لاعلان اعترافها بأولي دويلات السودان المقسم فور إعلان النتيجة المرتقبة للاستفتاء، ولكن ما أقصده خطط التقسيم التالية والتي وضعت منطقة أبيي جانباً بشكل مؤقت لتلتف حول دارفور ومصير دارفور وقبل أسبوع تلقيت دعوة خاصة لمؤتمر صحفي محدود مع سكوت جريشن الذي كان موجوداً بالخرطوم وقتها وذلك عبر الهاتف، والذي أعلمنا بخبر تعيين إدارة اوباما لمبعوث ومستشار خاص لشئون دارفور هو الدبلوماسي الأمريكي دين سميث القائم بالأعمال السابق بالسفارة الأمريكية بالخرطوم وسفيرها الأسبق في عدة دول أفريقية.

كان الواضح أن الدور جاء علي دارفور الغنية والتي يحوي جنوبها واحداً من أكبر مستودعات احتياطي اليورانيوم النقي في العالم ناهيك عن معادنها وثرواتها الموجودة فيما يعرف بحفرة النحاس، واطلقت عليها أنا «حفرة اليورانيوم».

وقد سألت جريشن في إطار كشف تسريبات الويكي مؤخراً عن قيام كينيا بتهريب السلاح للمتمردين في جنوب السودان في عهد بوش عن موضوع تهريب السلاح إلي المتمردين في دارفور، جريشن بادرني بأن الولايات المتحدة في عهد اوباما ضد تدفق السلاح إلي دارفور وأن اهتمامها الحالي هو وقف إطلاق النار، وتحدث مطولاً عن اجتماعات الدوحة باعتبارها أهم حراك حالي بالنسبة للولايات المتحدة، وعندما سألته عن مخططات تقسيم السودان إلي عدة دول بالجنوب ودارفور ومناطق الشرق ( قبائل البجا) وربما ابيي.

فإن اجابته لم تحمل نفياً ولكن حملت تحذيراً واضحاً للبشير مبطناً في شكل نصيحة لحكومة السودان بالتأكد من تلبية مطالب الناس في دارفور وأبيي وبورسودان أي شرق السودان، قبل أن يضيف «أن هذا يفسر كيف أن اجتماعات الدوحة حول دارفور مهمة للغاية لأنها توضح كيفية «اقتسام السلطة والثروة» وكيف سيتم تقاسم الكعكة حسب تعبيره وأنه علي حكومة السودان القيام بواجباتها بشأن تحسين أحوال المعيشة وتوفير الخدمات العامة واحترام حقوق الإنسان وتوفير العدالة.. هل هناك وضوح أكثر من ذلك أن جريشن الرجل العسكري قالها صراحة فماذا ينتظر البشير، سوي توالي التقسيم المقرر الذي سيكرس النهش في عمق الأمن القومي المصري.

إن الجنوب السوداني المرتقب والذي ستكون إسرائيل علي رأس أولي الدول التي ستعترف به أصبح نافذاً بالفعل بفضل «حماقات البشير واعتماده علي فكر إخوان السودان الذين يحركونه منذ انقلابه الشهير» هذه الحملة قالها لي دبلوماسي أمريكي متقاعد قبل أيام، قبل أن يضيف «إن البشير مهما فعل فإنه ورقة سيتم التخلص منها عبر المحكمة الدولية بعد استنفاد جميع المطلوب منه وأن المليارات التي حولها - حسب تسريبات الويكي - لن تحميه ولن تصبح في متناول يده أو يد عائلته عاجلاً أم آجلاًَ» كلمات هذا الدبلوماسي المخضرم التي يعرف المنطقة جيداً، واضحة وضوح الشمس وتؤكد ما سبق أن تحدثنا عنه مراراً وتكراراً علي مدي ما يزيد علي 12 عاماً حول مخاطر الاستعمار الجديد والناعم الذي يخدم خطط إسرائيل لتقويض مقررات مصر والتحكم في مصادر الحياة عبر إفريقيا.

وإلي الزملاء الذين سبق واتهموني باعتناق نظرية المؤامرة: ازيكم بقي؟!.

مديرة مكتب روزاليوسف في واشنطن

Sunday, December 19, 2010

مايكل ريردون.. في انتظار مرضي القلب المصريين

الراى > مايكل ريردون.. في انتظار مرضي القلب المصريينا

كتب حنان البدرى

العدد 1674 - الاحد - 19 ديسمبر 2010

أعادتني حادثة وفاة الدبلوماسي الأمريكي المخضرم ريتشارد هولبروك اثر عمليات جراحية إلي ذكري أيام صعبة عشتها شخصياً بعد تعرض زوجي لنفس الأعراض قبل ما يزيد علي ثلاث سنوات، حين شعر بآلام مبرحة في منطقتي الصدر والظهر نتيجة حدوث تمزق في الشريان الأورطي الخارج من القلب.

وغالباً لا يتمكن المريض من الوصول إلي المستشفي المناسب والمتخصص للتعامل بشكل فوري جراحياً، ناهيك عن المرحلة الأكثر خطورة وهي مرحلة ما بعد العملية وتجاوب الجسم من عدمه مع هذا التدخل الجراحي الصعب، لقد حمدت الله دوماً وسأستمر الذي هيأ أن يكون زوجي في مهمة عمل في هيوستن حين فاجأته الأزمة فقاد بنفسه للمستشفي وحتي مركز النابغة مايكل دبيكي (اسمه بالعربية مايكل دبغي) وهو أعظم جراحي القلب الذين شهدهم العالم حتي الآن.

فهو الذي ابتكر وطور جراحات القلب وساهم في إنقاذ الملايين وكانت من ضمن أعظم اكتشافاته - إلي جانب زراعة القلب - هذه الجراحة التي أتحدث عنها هنا وهي استبدال الأورطي المتمزق بقماش طبي «الداكرون» التي حاكها في بدايات تجاربه علي ماكينة حياكة والدته بالمنزل دبيكي اللبناني والذي توفي قبل عامين وتحديداً قبيل أسبوعين من اتمامه المائة عام من العمر، ظل يقدم للطب حتي وفاته وللإنسان الكثير ولعل أهم إنجازاته ذلك المركز وأجيال من الجراحين والتلاميذ الذين يواصلون مسيرته حتي الآن، لم يترك وراءه مجرد مبان ومعامل ومركز أبحاث.

بل ترك خبرات مستمرة في التطوير ونقل الخبرات ولعلنا نذكره هنا حين أرسله الرئيس كلينتون في فترة التسعينيات إلي موسكو ليجري عملية جراحية للرئيس يلتسين.. وقد كان الجراح النابغة مايكل ريردون أحد أهم تلاميذ دبيكي ولقد استمر في مهمته الإنسانية مع فريق عمل ممتاز استمر في البحث والابتكار لأحدث الجراحات والأساليب وقد أجري لزوجي نفس الجراحة الدقيقة بنجاح تام وتابعه مع فريق عمله المتميز علي مدي ستة أسابيع في العناية المركزة، بعد جراحة استمرت لعشر ساعات وهي جراحة دقيقة وخطرة ينبغي إجراؤها علي الفور ودون تأجيل.

وحيث يتم تبريد جسم المريض تماماً بوضعه في الثلج لابطاء عمل أجهزة الجسم إلي أدني مستوي بينما يتم اخضاع المريض لعملية تخدير أكثر دقة وفي نفس الوقت ويتم وبسرعة وخلال مدة محددة زمنياً خياطة الداكرون بمقاس الأورطي الممزق وإعادة خياطته إلي القلب من ناحية إلي بقية الأورطي من ناحية أخري.

وهي أيضاً مهمة دقيقة فمن الأورطي تنطلق شرايين أخري أدق تمد المخ والأطراف بالدم لذا فالعمل الميكروسكوبي والسريع والماهر يكون مفتاح نجاح هذه الجراحة الصعبة، وبعد إتمام الخياطة يتم إعادة القلب وإعادة ضخ الدماء وحيث ينقلون للمريض هنا «بلازما» فقط وليس نقل دم كامل وبينما يتم تدريجياً اعادة تدفئة الجسم يبدأون إعادة تشغيل بقية أجهزة الجسم المخ والكلي الكبد.. الخ وبعد ذلك يتم نقل المريض لعناية مركزة يخضع خلالها للمراقبة والمتابعة دقيقة بدقيقة لأن المرحلة الأكثر خطورة من العملية تكون بعدها فاحتمالات فشل أجهزة الجسم في استعادة وظائفها بالشكل الاحتياطي كبيرة أو حدوث جلطات قد تذهب مباشرة للمخ فتحول الإنسان إلي نبات وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني محمود درويش والذي أجري العملية ذاتها ولكن بمستشفي آخر في هيوستن، ولأنه علم بالمضاعفات فقد أوصي في حالة حدوث تلك المضاعفات له بإنهاء حياته وعدم توصيله بأجهزة تحيله إلي نبات وقد نفذت وصيته بالفعل.

إن حالات تعرض كثيرين لا سيما من صغار السن لهذا الزائر المفاجئ والقاتل قد تزايدت مؤخراً نتيجة تزايد ضغوط الحياة والعمل فتمدد الأورطي وانفجاره سواء بمنطقة القلب أو البطن أصبح شائعاً، ولذا نري حتي لاعبي الكرة مؤخراً يتساقطون في الملعب إذ إن التعرض للإجهاد الشديد أو التوتر وارتفاع شديد في ضغط الدم يكون المسئول لكن من حسن الحظ أن العالم قد تطور كثيراً وبدرجة مذهلة وأذكر كلمات الجراح العبقري مايكل ريردون وكانت أمريكا في أوج فترة حروب بوش - تشيني. حين حكي لي عن حالة مريض إيراني يعاني من حالة نادرة من سرطان القلب، وقد أخذت إجراءات حصوله علي تأشيرة الدخول للولايات المتحدة زمناً طويلاً أغضب الجراح ريردون، وفي النهاية تمكن المريض من الوصول وإجراء الجراحة بنجاح، لكن تأخره في دخول الولايات المتحدة تسبب في انتقال المرض الخبيث إلي أماكن أخري من جسمه وتوفي بعدها بفترة نتيجة إصابته بالسرطان مما أحزن الجراح الإنسان الرافض للحروب وعندما سألته لماذا لا تذهب بنفسك إلي الذين يحتاجونك وإلي مصر تحديداً، وافق بسرعة وقال إنه علي استعداد للذهاب إلي أي مكان مع فريقه سواء لتعليم وتدريب زملاء أو لانقاذ مريض، تماماً كما يفعل مع فريقه في مختلف أنحاء العالم.

أعلم أن بمصر مراكز متخصصة ولكن كم منها معداً لمثل جراحات الانقاذ السريع الدقيقة هذه إن فريق عمليات هذه الجراحات يضم العشرات من الأطباء والجراحين من جميع التخصصات إضافة وهذا هو الأهم لفريق من الممرضين الكفئين من حملة الماجستير والدكتوراة والخبرة.

أتمني أن يكون بمصر مركز مماثل لمركز دبيكي أو مستشفاه الماثو ديست الموجود بهيوستن وسط المركز الطبي، والذي تطالعك في ردهاته وجوه مصرية وعربية لأطباء ومتخصصين عظماء سيكون لنا حديث آخر عنهم لاحقاً..

Sunday, December 5, 2010

تسريبات الويكي واستراتيجية إسرائيل

الراى > تسريبات الويكي واستراتيجية إسرائيل

كتب حنان البدرى

العدد 1662 - الاحد - 5 ديسمبر 2010

ما بين الغضب الأمريكي الرسمي علي موقع تسريبات الويكي وصاحبه وبين ردود الفعل العالمية بسبب ما نشره الموقع مؤخراً من برقيات وتقارير دبلوماسيي الخارجية الأمريكية إلي رؤسائهم في واشنطن والتي تكشف إلي حد كبير آلية العمل وتوجهات إدارتي بوش وأوباما في التعاطي مع الدول والزعامات وكذلك حروبهما نجد الكثير مما قيل.

ويقال وهو أمر يحتاج إلي كتب وليس إلي مقالات ولكن أن وضعنا ذلك جانبا بما فيه المخالفات الصارخة لأبسط القيم والقوانين مثل إصدار وزيرتي خارجية أمريكا كونداليزا رايس وهيلاري لأوامر لدبلوماسييها للقيام بأعمال تجسس وجمع معلومات عن عاملين با لأمم المتحدة وآخرين بما في ذلك المعلومات الشخصية والمكالمات الهاتفية والبصمات وربما عينات الحامض النووي «DNA» كما قال قبل يومين أحد ضحايا هذه الأوامر وهو أحد العاملين ببرامج الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان والتعذيب ناهيك عن برقيات تكشف كذب مسئولين أمريكيين ونفيهم لحوادث ووقائع تثبت تسريبات الويكي حدوثها إذا وضعنا ذلك جانبا والتفتنا إلي الجانب المسكوت عنه وهو الهدف من نشر تسريبات بعينها نعود إلي ردود فعل عالمية وإقليمية تخدم قضية أو وجهة نظر بعينها ربما حينئذ نجد بصيص نور يقودنا إلي معرفة الجهة الأكثر استفادة من نشر هذه المعلومات.

ولعله من المفيد هنا أن نتذكر كيف قاد نشر موجة الوثائق السابقة قبل أسابيع إلي الكشف عما حدث بالعراق ما قبل وأثناء وبعد غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين حيث تم نشر وثائق ركزت علي الكشف عن تورط جماعات ومجموعات عراقية بعينها في أعمال القتل والتصفية علي أساس طائفي في هذا البلد المنكوب لتقود الرأي العام إلي الوصول لخلاصة مفادها أن العراقيين أنفسهم هم المسئولون عن نهر الدماء الذي حدث بالعراق ليتم غسل الثوب الأمريكي من دنس التورط في جرائم حرب وبالتالي يتم إعفاء الولايات المتحدة من المسئولية الأخلاقية والإنسانية تاريخيا علي الأقل.

وإذا نظرنا بشكل سريع وعام لمجمل التسريبات الأخيرة نجد تركيزا غريبا علي تصوير قيادات دولية بما فيها عربية بشكل سلبي كذلك التركيز علي مسائل شخصية بالنسبة لأخرين، ونجد تركيزًا أكبر علي دور إيران وهو ما تلقفته وسائل الإعلام الأمريكية والغربية وبعدها مراكز أبحاث بعينها معروف عنها تبنيها لمطالب إسرائيل بالدخول في مواجهة عسكرية أو مواجهة تستهدف توجيه ضربة قاصمة لإيران بمبرر معلن وهو وقف برنامجها النووي.

وهي مطالب ما فتئت إسرائيل تطالب واشنطن بالتسريع في تنفيذها وما فتئت واشنطن في تبني سياسات أخري تعتمد العمل السري والسياسي والدبلوماسي بهدف إسقاط النظام الإيراني من الداخل هي سياسات تستغرق وقتا أطول لذا لم يكن مستغرباً تلك الانتقائية في الوثائق المنشورة والتي تعالج علاقات أمريكا بدول المنطقة وزعاماتها في التعاطي مع هذا الملف بغرض كشف المواقف الحقيقية لهذه الدول لرفع الحرج الذي يعرقل «المواجهة» المطلوبة.

لذا لم يكن مستغربا تركيز صحف ووسائل إعلام بعينها كذلك مراكز أبحاث علي نشر وإقامة المؤتمرات التي تتحدث عن الحظر الإيراني فرأينا وجوهًا مألوفة كانت دوما تطالعنا قبل وبعد غزو العراق بشكل شبه يومي علي شاشات التليفزيون وأسماء تعنون مقالات فردت في مختلف الصحف وحضور متجدد في قاعات البحث بمؤسسات صنع القرار تتحدث عن خطر إيران ودور تركيا والسعودية وخطورة حزب الله وعلاقات شيعة العراق بإيران إلخ.

كلامهم الشاحذ لضرورة المواجهة بدا وكأنه دق لطبول حرب جديدة تصب كلها لمصلحة استراتيجية إسرائيلية تريد كسب المزيد من الوقت لإتمام مشروعها القومي منذ نشأة الكيان الإسرائيلي.

ولعل الخبر المنشور أخيراً علي لسان التركي محمد علي أغا المسجون السابق والمفرج عنه في يناير الماضي بعد قضائه عقوبته في سجون إيطاليا بعد تورطه في محاولة اغتيال البابا الراحل يوحنا بولس في عام 81 كاشفا أن الموساد طلب منه اغتيال الرئيس أوباما نظير عشرة ملايين دولار لعل هذا الخبر يقودنا إلي ضرورة النظر فيما يجري من حولنا فإذا كانت إسرائيل التي تراوغ لإبرام عملية السلام وتماطل لكسب الوقت حتي ولو كان بإشعال مواجهات وحروب يدفع ثمنها آخرون.

فالآخرون هم نحن «شعوب تلك المنطقة» ولذا يصبح التحرك السريع لتطويق الاستراتيجية الإسرائيلية ضرورة ملحة لأمن وسلامة المنطقة لاسيما وأن استراتيجية إسرائيل تلك لا تقف عند حدود مواجهة إيران.

بل تتزامن ومحاولة إشعال حرب أهلية أخري في لبنان تمكنها أي إسرائيل من كسب مزيد من الوقت لتبرير مماطلتها في إبرام سلام مبكر قبل الموعد الذي حددوه منذ عقود وتحديدًا منذ قيام إسرائيل في العام 48 حين وضعوا جدولاً زمنيا محددًا بثمانين عامًا تنتهي 2028 لتحديد حدود الدولة الإسرائيلية وهو الموعد الذي يضمن لإسرائيل الخلاص من الجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين والذين سيكون أصغرهم سنا حينها في الثمانين من عمره أي بعد التأكد من وفاة أو التخلص من عقبة اللاجئين ومن بقي مهم وللأبد ولشكل طبيعي.

Sunday, November 21, 2010

عدت يا عيد

الراى > عدت يا عيد

كتب حنان البدرى

العدد 1650 - الأحد الموافق - 21 نوفمبر 2010

أمضيت عيد الأضحي المبارك في مدينة هيوستن وسط أصداء من القلق تخيم علي الجميع بسبب ما يتعرض له المسلمون في أمريكا مؤخراً من حملات منظمة استهدفت الجميع طلابا في المدارس والجامعات وموظفين في الحكومة والشركات الخاصة ووصلت إلي تجمعاتهم ومساجدهم لدرجة لم تعرفها أمريكا التي كانت إلي وقت قريب تفخر بتعددية سكانها الثقافية والدينية آخر هذه الحملات المكثفة.

وبعد أن هدأت نسبياً الهجمات علي مسجد نيويورك وقضية حرق المصحف الشريف رغم استمرار رئيس الكنيسة المشبوه في حملات لجمع الأموال لمحاربة الإسلام ظهرت قضية أخري عندما توجهه أشخاص مدعومون من جهات وأشخاص معروفين بحملاتهم المنظمة ضد الإسلام وعلي رأسهم فرانك جافني المسئول بمركز سياسات الأمن في واشنطن الذي ذهب بنفسه إلي ناشفيل ليشهد أن المسجد يمثل تهديداً لأمريكا لا أحد يعرف من سدد مصاريف سفر هذا الرجل المعروف بصلاته الوطيدة باللوبي الإسرائيلي واليمين الأمريكي والذي يتلقي مركزه مساعدات مالية من شركة بوينج العالمية والتي تعد الدول العربية من أكبر زبائنها.

وهو نفسه كان يشغل منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي والقصة بدأت بقضية رفعها بضعة أشخاص بمدينة ميرفريس بورو بتنيسي يعترضون علي بناء مسجد للمسلمين بها وبدأت عملية محاكمة للإسلام والمسلمين حيث وجه هؤلاء اتهامات للإسلام والمسلمين بالإرهاب ومحاولة الاستيلاء علي أمريكا.

ورددوا الأكاذيب حول الإسلام علي ألسنة أشخاص جاءوا بدوافع سياسية وأجندة يمينية تنكر أن الإسلام ثاني أكبر أديان العالم دينا سماوياً وأن الشريعة هي قانون هذا الدين الغريب الذي لا يعرف سوي الإرهاب وكالوا للإسلام اتهامات أبسطها أنه وبموجب الشريعة فإن المسلمين يعلقون كرابيج في منازلهم لاستخدامها في ضرب الزوجات كجزء من الديانة! وسمح لأشخاص دون خبرة بالادلاء بشهادتهم في المحكمة

. في نفس الوقت كان مسلمو هيوستن يحتفون بعيدهم في أكثر من مسجد بني بالجهود الذاتية وأحد المساجد مازال البيت المقابل له رافضا لوجود دار عبادة إسلامي بالجوار ولا يكل من إعلان معارضته سواء برفع علم إسرائيل أو وللمفارقة باحضار خنازير إلي المكان.. هذا يحدث بينما لم تهدأ بعد واقعة اكتشاف قيام شركة «Ups» للبريد بدلاً من تسليم جوازات السفر المرسلة عبر إحدي شركات السياحة وبها تأشيرات الحج إلي عدد كبير من المسلمين الأمريكيين إلي السلطات الأمنية الأمريكية وماطلت في الرد علي أصحاب الجوازات الذين فاتتهم طائراتهم ولولا الكشف عن هذه الفضيحة واضطرار الجهات الأمنية لشراء تذاكر طيران أخري للحجاج وتسامح شركة الطيران السعودية بعدم إلغاء رحلة العودة لما تمكن هؤلاء من السفر واللحاق بالحج.

ضحايا هذه الفعلة المشينة في أمريكا اعتبروا هذا التصرف بمثابة اعتراف رسمي وغير معلن بأن المسلمين إرهابيون وعبر البعض الآخر عن غضبه من شركة البريد «UPS» التي خانت الأمانة وادعت ضياع الطرود البريدية كذبا قبل أن تضطر للاعتراف بالواقعة بزعم التعاون الأمني مع السلطات المعنية.

من الواضح أن الحملات ضد الإسلام والمسلمين في تصاعد من غير المحتمل أن تهدأ في القريب العاجل بل إن الأمور تفاقمت إثر هذه الحملات التي بدت أكثر تأثيرا علي الرأي العام الأمريكي باستخدام وسائل إعلام بعينها اعتمادا علي أن الأمريكي يستمد معظم ثقافته من التليفزيون لذا وتكملة لمقالنا الأسبوع الماضي حول ضروريات يفرضها علينا الواقع الحالي بأن نتعلم الوقاحة وأفضل الدروس هذه المرة لن تكون مظاهرات ومقاطعات بل يجب أن يكون عبر تصميم العرب والمسلمين علي ضرورة القيام بحملات توعية واسعة النطاق لا تكون علي حساب المسلمين هذه المرة بل يتم تمويلها بتخصيص دولار إضافة علي الأقل - علي كل برميل غاز أو متر غاز هذه هي اللغة الوحيدة التي سيفهمها هؤلاء ولا غيرها.

وللعلم فإن الحصيلة الأكبر من أرباح الشركات الغربية والأمريكية العاملة في مجال النفط تأتي من تجارة هذه الشركات في البترول العربي لذا فالعارفون بهذه الحقيقة يتعجبون حين يسمعون صراخ اليمين المتطرف مطالبين بتخلص أمريكا من إدمان النفط العربي والإرهاب الإسلامي.

إن فرض رسوم بسيطة كهذه علي أي سلعة أو تجارة مع دول بعينها تخصص للتوعية السليمة عن الإسلام يمكن أن يكون ناجحاً في معالجة هذه الحروب الشرسة والمنظمة علي المسلمين بدرجة غير مسبوقة رغم محاولات رموز مثقفة واعية الرد بوعي مناسب لقد بكت إحدي السيدات أمامي وهي تدعو علي أسامة بن لادن والظواهري اللذين كانا بمثابة السكينة التي ذبح بها أعداء الإسلام المسلمين وأبلغتني أنها شاهدت قيام الظواهري في أوائل التسعينيات في زيارة لهيوستن وكانت تصحبه مندوبة أو مندوب من الخارجية الأمريكية وقالت إنها رفضت أن تتبرع وقالت للشخص الباكستاني الذي كان يحثها علي التبرع للمجاهدين في أفغانستان أنا لست أغني من الخارجية الأمريكية التي دعته إلي هذه الزيارة فليتبرعوا هم، هذه السيدة المصرية عبرت بدقة عن الشرخ الحادث والمخاوف التي باتت تطبق علي مسلمي أمريكا ولهذا الموضوع قصة أخري.. كل عام والجميع بخير وعيد سعيد.

Sunday, November 14, 2010

متي نتعلم الوقاحة؟

الراى > متي نتعلم الوقاحة؟

كتب حنان البدرى

العدد 1644 - الأحد الموافق - 14 نوفمبر 2010

تجتاح المرء مشاعر مختلطة ومتضاربة في كل مرة يزور فيها بنيامين نتانياهو أو أحد المسئولين الأمريكيين واشنطن، وهي مشاعر تتراوح ما بين الأعجاب والغضب، فالعرض شيق وأداء ممثليه في غاية البراعة، والنتائج باهرة لدرجة البكاء.

وقد رأينا هذه المرة كيف قابل نائب الرئيس الديمقراطي بايدن نتانياهو باحتفاء وكلمات حماسية دافئة حول عمق العلاقات حرص أن يؤكد فيها علي ثوابت أمريكا نحو الحليف المفضل إسرائيل اليهودية.

ورأينا كيف صنعته إسرائيل مجددا وبعدها بساعات بإعلانها بناء المزيد من المساكن الاستيطانية في القدس الشرقية، نتانياهو الذي فوجئ في القاعة التي يلقي فيها كلمته أمام كبار الزعامات اليهودية الأمريكية في زيارته التي جاءت بعد فوز ساحق للجمهوريين وجاء هو ليهنئهم ويحتفي معهم بالنصر.

فوجئ بمقاطعات من يهود أمريكية يرفضون التعنت والاحتلال، لم يتوان عن الذهاب في زيارة ولقاءات مقررة سلفا إلي الأمم المتحدة ليلتقي المسئول الأممي الأول بان كي مون فيما كانت مندوبته لدي المنظمة الدولية تصدر تصريحات مهنية للأمم المتحدة قائلة بإن الحياة أفضل دون هذه المنظمة، وابتلع كي مون الاهانة.

أحداث زيارة نتانياهو الشيقة لم تنته عند هذا الحد، فخلالها أيضا كانت وصلات التصريحات المتبادلة بينه وبين أوباما الذي كان في زيارة لأقصي الأرض ليطلب ود المسلمين دون أن تكون لها وقع إعلانه في القاهرة، وهي وصلة دخلت فيها هيلاري كيلنتون علي الخط ليؤكدا قلقهما من إعلانات الاستيطان الاضافية وبأنها عامل غير مساعد لإعادة المفاوضات إلي مسارها. وهي نفسها وزيرة الخارجية التي حرصت علي إعلان فكه مساعدات إضافية بـ 125 مليون دولار للفلسطينيين قبيل ساعتين من اجتماعاتها الموسعة مع الوزير أبوالغيط والوزير عمر سليمان، وذلك قبل أن تتوجه بنفسها لمقابلة نتانياهو في نيويورك بالتوازي مع تسريب خبر ارسال شحنات اسلحة فتاكة للتخزين في إسرائيل للاستخدامات الأمريكية إذا دعت الحاجة، ليزيد بذلك حجم المخزون التسليحي الأمريكي لدي إسرائيل إلي 1.2 مليار دولار.

وهي نفس الأسلحة التي استخدمت إسرائيل جانباً منها لشن حربها علي لبنان في صيف 2006، وهي الحرب التي عبر الرئيس السابق بوش عن امتعاضه لأن إسرائيل لم تستمر وتمدها لتشمل سوريا في مذكراته المثيرة للجدل والمنشورة الأسبوع الماضي.

وإذا نظرنا لتركيز نتنياهو في زيارته هذه علي مناقشة التعامل مع الملف الإيراني ضاغطا نحو مواجهة معها وهو الأمر الذي لم يتم التركيز عليه إعلاميا وتم بشكل متعمد تكريس التغطية علي موضوع ثانوي بالنسبة له وهو عملية السلام، وبإضافة حصول إسرائيل علي هذا المخزون التسليحي الجديد الذي يشمل قنابل فتاكة قادرة علي اختراق طبقات تحت الأرض نستطيع أن نستشعر تلك الأجواء التي سادت فيما قبل مدريد وفيما قبل الحرب علي العراق.. وبالنظر إلي هروع نتانياهو للاجتماع مع كاهن السياسة هنري كيسنجر أحد أفضل من يفهم النفسية العربية كما يقال هنا، وخروجه من اللقاء ليطالب بتوسيع عملية السلام لتشمل دول عربية أخري لم يسمها، نستطيع فهم ملامح التوجه الجديد الذي سيحط علي منطقتنا، وهنا ندخل إلي النطاق الدرامي لواقعنا العربي ولممارستنا التفاوضية، فالمسألة الأهم في هذا العرض المسرحي المعاد والواضحة وضوح الشمس والتي يراها الجميع دون العرب سواء برغبة منهم أو بحسن نوايا دائم وتمسك غير مبرر بدبلوماسية مهذبة وأدب جم وكرم حاتمي يؤخذ علينا وبات غير مطلوب علي المسرح السياسي العالمي، مقابل وقاحة وإبداع إسرائيل مسنود غربيا.

والحصيلة هي خسارة معتادة، فالجانب الإسرائيلي الذي فهم العرب جيدًا يعرف جيدًا كيف يدير اللعبة، فقد فتأت إسرائيل مع إطلاق التصريحات غير المقبولة لجس نبض العرب مدركة أن الرد هو سيل من تصريحات الشجب والغضب الذي سرعان ما يذوب تمامًا كما حدث مع مهلة العرب لواشنطون لمدة شهر، والتي انتهت وابتلعت وكمثال صغير سنجد مطالبة إسرائيل باعتراف العرب بيهودية دولتها كخطوة أولي لتكريس واقع علي الأرض ولكسب المزيد من الوقت.

وقد نجحت في انتزاع اعتراف أمريكي رسمي بذلك، ولم نجد طرفاً عربياً واحداً يخرج عن النطاق التقليدي لقناعات أخلاق الفرسان ليقول «حسنا سنعترف بدولة إسرائيلية دينها الرسمي اليهودية» كحل يضع إسرائيل في مأزق وينقل الكرة لملعبها، لم يحدث ذلك وبدلاً منه احتفظنا بالكرة، وأعلنا انسحابا من اللعبة وخسرنا مقدما المباراة.

ومثال آخر لهزيمة النفس وهو الوضع في السودان فرؤية مسئول أممي كبير يخرج علينا قبل يومين ليصرح بأن الأمم المتحدة قلقة للغاية من الوضع الإنساني في دارفور وجنوب السودان وأبيي، أي تحت إضافة أبيي الغنية بالنفط لتحقق واقع وتمهيد انفصالي، ولم نجد أحداً يعترض علي المحاولات الجديدة لتقطيع ذلك البلد العربي الذي لن يكون الأول والمقطع أصلاً أن مفردات الواقع العربي الحالية واستمرار تمسك العرب بتقديم حسن النوايا وأخلاقيات الفرسان بات غير مطلوب.

فنفس الأمم المتحدة ونفس هذا الغرب لم نجده يتحدث مثلا عن القلق تجاه الحالة الإنسانية في الصومال وأماكن أخري في أفريقيا الأوضاع الإنسانية فيها أكثر سوءا.. فمتي نغير أساليبنا ومتي نتعلم الوقاحة!

Sunday, November 7, 2010

الجمهوريون قادمون.. إلي أين أمريكا ذاهبة؟

الراى > الجمهوريون قادمون.. إلي أين أمريكا ذاهبة؟

كتب حنان البدرى

العدد 1638 - الأحد الموافق - 7 نوفمبر 2010

تستحق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي وحكام الولايات المتحدة عن جدارة لأن تتحول إلي مادة ثرية لطلاب العلوم السياسية حول العالم، ذلك لتفردها من حيث إدارة الحملة الانتخابية ووصولاً إلي فوز غير مسبوق للحزب الجمهوري وهزيمة نكراء للحزب الديمقراطي. صحيح أنها ليست المرة الأولي التي ينتزع فيها أحد الحزبين المهيمنين علي الساحة السياسية الأمريكية منذ نشأة الدولة، الأغلبية ومن ثم الزعامة في ظل وجود رئيس ينتمي للحزب المهزوم بالبيت الأبيض، ولكن اعتماد الساسة الجمهوريين علي عوامل خلقوها، وعوامل أخري فرضتها ظروف علي الأرض إضافة للاستخدام الماكر لنقاط ضعف الخصم كان هو سبيلهم إلي تحقيق هدف الفوز.

لقد اعتمد الجمهوريون الذين تهيمن علي حزبهم منذ ما يزيد علي العقد أيديولوجيات يمينية يغلب عليها التطرف علي أربعة عوامل أساسية، أولها كان الوصول للناخب العادي عبر أولوياته ألا وهي الحالة الاقتصادية.

فالناخب الأمريكي لا يهمه سوي حافظة نقوده وهو سريع النسيان وثقافته يكتسب معظمها من التلفاز، ولذا كان من السهل التأثير عليه بهذا العامل وبتكرار لا يتوقف لسيل انتقادات للإدارة الحالية بسبب تردي الوضع الاقتصادي وأرقام تتحدث عن نسبة غير مسبوقة من البطالة وفقدان الوظائف وصلت إلي 9.5%، وعبثا حاول أوباما الذي يؤخذ عليه التحرك متأخرًا لإفهام هذا الناخب بأن التدهور الاقتصادي سببه إدارة جمهورية سابقة، أو أن يشرح نجاح إدارته في وقف عجلة تدهور الاقتصاد كإنجاز وأن النمو قادم وفي الطريق.

ولم يساعده حزبه الذي اعتمد علي وجوه قديمة ملها الناخب وبعضها مازال يحتل مقعده في الكونجرس منذ 24 عامًا، لقد كان الناخب الأمريكي غاضبًا لدرجة أراد من خلال تصويته للجمهوريين أن يعاقب الإدارة الحاكمة وكذلك الحزب الديمقراطي، ولم يأت تصويته لصالح الجمهوريين بسبب ولهه المفاجئ بهم، أيضًا لعب الحزب الجمهوري علي عامل الإعلام المضاد، ولم يكن مستغربًا أن تخرج عناوين الواشنطن بوست لكي تؤكد أن الذي يستحق أن يحتفي به بسبب هذا الفوز هو ميردوخ امبراطور الصحافة وقناته الإخبارية فوكس التي لولاها ما كان يسمح لما يعرف بحزب حفلات الشاي صوتا.

وهذا صحيح فقد جندت فوكس كل قواها للدعاية لهذا التيار المتطرف علي كل الأصعدةش، وهو تيار تلقي دعمًا ماليًا غير مسبوق من قبل الكبار الذين أزعجهم أن يتحدي رئيس أمريكي أصحاب المال ويطالب بزيادة الضرائب علي كبار الأغنياء وتقليلها عن كاهل الأسرة المتوسطة أو أن يطالب بنظام رعاية صحية حكومية يقدم للمواطن وهو ما أزعج شركات التأمين الصحي متضخمة الثراء وأصحاب الصناعات الصغيرة.

وانضم إلي هؤلاء لدعم التيار اليميني أصحاب المصالح بدءا من أسواق المال بـ«وول ستريت» ومرورا بالشركات الكبري سواء للنفط أو ما يعرف بلوبي صناعة الحرب أو الصناعات التسليحية وصناعات الأمن وهؤلاء جنوا في عهد بوش - تشيني أرباحًا طائلة وعقودا بالمليارات تسدد من جيب دافع الضرائب الأمريكي ويهمهم أن تستمر الحاجة إليهم ولو عبر حروب تقوم بها أمريكا أو غيرها من الدول.

كان هذا هو العامل الثالث الذي اعتمد عليه الجمهوريون بعد عوامل استخدام تدهور الاقتصاد والإعلام وتيار يميني جديد صوته عال بواسطة إعلام موجه رغم قلة عدده علي المستوي الأمريكي.. أما العامل الرابع فهو استغلال ثقة الخصم أي الديمقراطية الزائدة في أنفسهم بعد نصر كاسح في الانتخابات الماضية وهي الثقة التي أوكلتهم إلي التراخي ومحاولة امساك العصا من المنتصف في العديد من القضايا التي تهم الشارع الأمريكي، وتغاضيهم غير المبرر عن رسالة مهمة كان نفس الشارع قد أرسلها قبل أشهر بوضوح ذلك عندما عاقب ناخب معروف أنه مثقف بولاية ماساشوسيتس الديمقراطية وصوت لصالح شاب جمهوري لا يتمتع بأي تاريخ سياسي يذكر لكي يعتلي مقعد السيناتور الديمقراطي الراحل تيد كيندي أحد أعمدة الحزب الديمقراطي في عقر داره.

لم يفهم الديمقراطيون الرسالة أو فهموها وتغاضوا عن معالجة الأمر فجاءت هزيمتهم النكراء في مجلس النواب ونجحوا في الاحتفاظ بأغلبية عادية وليست مطلقة في مجلس الشيوخ ستزيد من معاناة أوباما علي مدي العامين المقبلين لتمرير أية إصلاحات قام بها أو يعتزم المضي فيها.

الثمن باهظ والمعركة التي ستشهدها الساحة السياسية الأمريكية علي مدي الأشهر المقبلة ستكون محتدمة بامتياز، فالجمهوريون لم يتوقفوا كثيرا هذه المرة عن الفوز بل بادروا بهجوم مضاد آخر أعلنوا فيه هدفهم الرئيسي وهو ضمان عدم فوز أوباما بفترة رئاسة مقبلة، بل سارعوا بالعمل لإعادة النظر في جميع الإصلاحات والتغييرات التي أحدثها خلال العامين الماضيين وعلي رأسها قانون الإصلاح الضريبي والرعاية الصحية ذلك علي المستوي المحلي.

أما علي المستوي السياسة الخارجية فحدث بلا حرج حيث أعلنوا أنهم بصدد إعادة أمريكا القوية وسياسات هي توأم لسياسات بوش - تشيني بداية من عملية السلام ومرورا بمواجهة إيران ووصولاً إلي استخدم كارت الدمقرطة والمساندات الخارجية، وأدرجوا مصر بالفعل علي رأس الدول التي ينبغي النظر في حالتها في هذا الشأن.

أيضا وصل الحال بهم إلي دعوة أوباما للتخلي عن سياساته المدللة للمسلمين وللدول الإسلامية.. هل فهمنا الآن ماذا يحدث في أمريكا؟

* مدير مكتب "روزاليوسف" فى واشنطن